نقد

“ليل/خارجي”: الانتقال على مسافة سؤال وأُغنية

هدى جعفر

لا أذكر الأسبابَ التي جعلتني أقرر عدمَ مُشاهدة فيلم "ليل/خارجي" آخر أعمال المُخرج أحمد عبد الله السيّد وكاتب السيناريو شريف الألفي، ولكنّي أذكر ما دفعني للعدول عن قراري.

كان ذلك صورةً لبطلةِ الفيلم منى هلا ترتدي ملابسَ تشي بما وصفه دوستويفسكي في إحدى كتاباته بـ "الأناقة القذرة" وهي تتعارك مع أحدهم
منى هلا؟ وأناقة رخيصة؟ وعراك؟ لا بد من مشاهدة الفيلم إذن

 

"ليل/خارجي" من الأفلام التي تدورُ في ليلة واحدة، ولذا من المُسلّم به أن نقابل كائنات الليل المعروفة: بائعات الهوى وسائقي التاكسي، ولكن هذه المرة معهما مُخرج سينمائي لا يعرفه أحد.

منذ اللقطات الأولى هناك صوتٌ يهمس لك بأنّ في هذا الفيلم شيئًا يخصّك، محمد عبد الهادي (كريم قاسم، "أوقات فراغ")، مخرج يُعاني من معضلات مركّبة: حبيبته مي (سارة عبد الرحمن) التي لم يتجاوز بعد فكرة غيابها، ثم بطل فيلمه المُتخيّل (علي سعيد) الذي مازال يُقاسي في وجدانِه، والإعلان التجاري الذي يصوّره حاليًا مع صديقه أحمد مجدي (أحمد مجدي) الذي يُعايره بفرصة العمل التي منحها له، مع وجود جملة من العراقيل الأخرى التي تحتشد فتصنع "جُليطة" في شريان اليوم، بالإضافة إلى صدورِ حكم بالسجنِ بحق صديقه بسبب روايته الخادشة للحياء، والمقصود هنا الكاتب أحمد ناجي وقضية روايته "استخدام الحياة" التي تقرأ منها المصوّرة دينا (العذبة دُنيا ماهر) مقاطعَ عن القاهرة التي لا يُمكن الخلاص من العلاقات العاطفية فيها، جدير بالذكر أنّ أحمد ناجي ظهر في أحد المشاهد كسائق تاكسي. 

 

بعد سلسلةٍ من المشاهدِ الكاشفةِ لمطبّات الإحباطِ في يومِ المخرج الشاب يجمعه القدر (الذي هو طوع المُخرج طبعًا) في عربة واحدة مع سائق الاستديو/التاكسي مصطفى (شريف الدسوقي) الذي تعرّف عليه سابقًا في مشاجرة سريعة في موقع التصوير، ثم تنضم لهما توتو/تهاني (منى هلا) التي قضت ليلتها في منزل جيمي (أحمد مالك) ابن شقيقة مصطفى ثم تخوض عراكًا صباح اليوم التالي من أجل 600 جنيه تقول أنّ مصطفى سرقها من محفظتها.

ومنذ بداية المساء القاهري ذلك حتى طلوع الصباح، ندوخ مع محمد وتوتو ومصطفى في تاكسي الأخير، مجسّم حديدي يطوف المدينة بالشخوص الثلاثة في تلك اللحظة الساحرة حين يتحد الزمان والمكان والأشخاص والأغاني.

 

غيرة مصطفى من ميلِ توتو للمخرج الشاب تُشعل الرحلة، وتُطيلها، وتُطعّمها، وتوتّر الجو، وتوصلهم إلى البوليس، وتكشف دواخل الثلاثة، قبل أنْ ينصهروا ويُصبحوا شخصًا واحدًا أصليًا وحزينًا.

الأبطال الثلاثة من المتمرسين، بالنظر لأساليبهم في ازدراد لقمة العيش، على الاقترابِ الطارئ، والحميمية سريعة الزوال، سائق التاكسي الذي يجتمع مع زبائنه في أقل من متر، بائعة الهوى التي تحرق العشرات ولا تذكر أين تذرو رمادهم، المخرج الذي يلتحم مع الكثير من الوجوه والأسماء الأحوال مع كل عمل ثم ينفرط كل شيء كـ"عود كهرمان"، تكثيف للحقيقة المروّعة: لا نلتقي إلا لنفترق، ورغم ذلك فإنّ تلك الليلة مُختلفة، لهم ولنا.

 

هل يُقدّم الفيلم شيئا مختلفًا عن الأفلام التي تحدث في ليلة واحدة؟ في الحقيقة لا حاجة لهذا السؤال.
وهل سرق مصطفى أُجرة توتو فعلًا؟ لا يهم!

لقد استطاع الثنائي الألفي/السيّد أن يجعلنا ندخل في الأبطال، ونلبس جلودهم، طيلة الفيلم تشعر بأنك أحدهم: محمد، أو مُصطفى، أو توتو، وأحيانًا التاكسي نفسه، وربما ليل القاهرة أيضًا.

لو كان بالإمكان الإمساك بقلب الفيلم فلن يكون إلا مشهد توتو بابتهاجها الطازج، حين تطلب من مصطفى أن يفتح لها نافذة السيارة العلوية بمجرد أن تسمع أغنية " يا ليالي" لشيرين عبد الوهاب، وما إن يُجابه وجهها هواء الصباح القاهريّ حتى يغلفها الحزن، وكأنّ شيرين تُغني من عينيها الجميلتين، ونفهم: كيف يُمكن الإمساك بهذه اللحظة بكل شخوصها الذين نعرف أننا، هم ونحن، في طريقنا للتبخّر.

لم تكن تلك ليلة مصيرية للثُلاثي توتو ومصطفى أو (دَرْش) ومحمد، كما في فيلم "ليلة ساخنة" مثلًا، إنّها ليلة ستترك أثرًا حلوًا لعدة أيام أو أسابيع، ثُمّ تزول، ولو حاول صُنّاع الفيلم أنْ يجعلوها قدرية لربما خرج الفيلمُ مملًا ومُعلّقًا في الهواء.

 

كل الممثلين قدموا مساحاتهم التمثيلية بإجادة مُلفتة بغض النظر عن ضيقها أو اتساعها: كريم قاسم، علي سعيد، محمد إبراهيم يُسري، أحمد مجدي، دُنيا ماهر، الشقيقان أنديل وعلي قنديل في دوري عاملَيْ الإضاءة، وعمرو عابد، وصبري عبد المنعم، وبسمة، ومجدي أحمد علي في دور المأمور، وفريدة رضا في دور الفتاة الصعيدية ذات الجمال البريّ الذي لا يحضر إلا في الأحلام أو الأفلام.

بالإضافة إلى الموهوبين الثلاثة: أحمد مالك، ومنى هلا، وطبعًا شريف الدسوقي: "كبيرهم الذي علّمهم السحر".

"ليل/خارجي" فيلم حلو يستحق المشاهدة، ومشحون بالعواطف، وخفيف ظل، وإجابة مُختصرة لمن يُريد أن يعرف ماذا يُمكن للسينما أن تفعل، أو لمن يسأل نفسه كما فعل محمد في النهاية:" لمَ أنا؟ ولمَ لا؟".

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى