نقد

ما وراء الطبيعة؟

عمرو شاهين

لم تخطئ عزيزي القارئ في قراءة العنوان، بالفعل هو تساؤل حول ما الذي يقع وراء الطبيعة، ولكن صبرًا فالمقال بالتأكيد ليس عن الفيزياء أو العلوم ولكنه محاولة من العبد الفقير لفهم لماذا نهاجم أو ندافع أو نشيد بما وراء الطبيعة العمل الدرامي، ونضع سويًا آلاف الخطوط تحت كلمة الدرامي تلك.

أسطورة المسلسل

في البدء دعنا نؤسس قاعدة أو قانون مثلما كان يفعل رفعت في المسلسل ومن قبله ميرفي ولكنها لن تكون سلسلة قوانين ولكنها قاعدة واحدة.

(قانون المقال الأول والأخير: الدراما تحكم)

ما يزيد عن 80 رواية بهم 8 حلقات رعب كل حلقة بالمتوسط خمس قصص قصيرة فنحن هنا نتحدث عما يقارب 85 رواية بخلاف الأعداد الخاصة، هذا هو ميراث رفعت إسماعيل لنا نحن القراء، ولكن حينما تحاول الدخول لتقديم عالم روايات ما وراء الطبيعة بكل هذا الكم من القصص والشخصيات والأحداث فتصبح في حيرة من أمرك لأنك تبحث عن إجابة لسؤال واحد وهو كيف سأقدم الروايات دراميا؟

إجابة هذا السؤال ستحملك مباشرة لثلاثة حلول لا غير هو تقديم السلسلة في كل قصة على حدا في شكل حلقات متصلة منفصلة ويصبح الرابط الوحيد بينهم هو رفعت وبعض الشخصيات الرئيسية، بينما تتغير الأحداث تباعا وفق الرواية، وهنا أنت تتعامل مع كل حلقة بكونها عمل درامي مستقل، وهذا يعني أنك بحاجة إلى 85 حلقة لتغطية السلسلة.

الحل الثاني هو اتباع نفس الأسلوب ولكن تقوم باختيار عدد أقل من الروايات مثل أن تقدم 6 روايات فقط لا يربطهم شيء سوى أبو الرفاع.

الحل الثالث وهو الأصعب والأكثر مخاطرة، خلق حبكة رئيسية تدور داخلها الحلقات جميعها، وبداخل كل حلقة حبكاتها الفرعية المتصلة منها حتى نهاية (الموسم الأول) أو التي تنتهي بنهاية الحلقة ومثال على ذلك:

  • الحبكة الرئيسية لمسلسل ما وراء الطبيعة هي عودة شيراز التي تطارد رفعت ومن حوله، والحبكة الفرعية المتصلة داخل المسلسل هي صراع رفعت الداخلي بينه وبين نفسه وماضيه وصراع مشاعره بين ماجي وهويدا.

بينما تنتهي حبكات فرعية داخل الحلقة كأوراق التاروت وكمال كحبكة في حلقتهم، ثم يندمجوا داخل الحبكة الرئيسية، ليصبحوا مفاتيح درامية.

وهذا هو الحل الثالث، خلق حبكة درامية متسلسلة يمكن من داخلها مناقشة وعرض القصص المستوحاة من السلسلة.

رفعت إسماعيل

السلسلة التي تم سردها طوال سنوات صدورها بشكل غير متسلسل – عشاق السلسلة يدركون ذلك جيدا- فمثال أسطورة الكاهن الأخير والتي عرفنا فيها الجزء الأول من قصة هان تشو كان كانت في الكتيب رقم 11 بينما تكملتها وجزئها الثاني كان في الكتيب رقم 16، قرأنا قصص تاريخيا حدثت بعد قصص أخرى قرآناها متأخرا بأعوام، التسلسل في الروايات كان خاضعا لمزاج رفعت إسماعيل وما يتذكره.

ولكن هذا لم يكن الأسلوب الذي أراد كتاب المسلسل استخدامه، بل أرادوا استخدام الخط الدرامي المتسلسل، لذلك استعانوا بحبكة أسطورة البيت لتكون الحبكة الرئيسية التي تربط القصص ببعضها البعض، والفرق بين الحبكة والقصة شاسع.

القصة هي الحدوتة، هي الباب، بينما الحبكة هي تسلسل الأحداث هي التنظيم الشامل لتسلسلها في بنية درامية مترابطة، هي مفصلات الباب اللي بتثبته في الحيط وتسمح له بحرية الحركة.

هنا اختار صناع المسلسل انه يغيروا في القصة، في حين التزموا ببعض التفاصيل والإطار العام للحبكات من داخل الروايات قدر الإمكان سواء الحبكة الرئيسية وهي البيت وشيراز، أو الحبكات الفرعية في العساس أو الفرعون أو حتى النداهة.

وبهذه الطريقة، بالتغيير في التفاصيل والشخصيات استطاع صناع المسلسل تحقيق البنية الدرامية المترابطة التي يريدونها، واستطاعوا استعراض أكبر عدد ممكن من الروايات في أقل عدد مسموح من الحلقات.

كل ما قام به كتاب المسلسل يندرج تحت بند (مستوحاة) لذلك فالفصل بين العملين الفنين واجب، فالمسلسل مستوحى من الروايات ولا يقدمها بتفاصيلها.

أسطورة الكوميديان

من اللحظة الأولى أدرك الكثيرين ان أحمد أمين أكثر بكثير من مؤدي ستاند أب كوميدي يظهر على الشاشة، أدركت كما أدرك الكثير أن هذا الرجل ممثل من طراز نادر، والحديث هنا ليس فقط على أداءه لشخصية رفعت إسماعيل لكن في الأساس الجرأة التي تدفعه لأداء شخصية لها مثل جماهيرية رفعت لدى عدد كبير من الشباب، هي مخاطرة كبيرة، ومغامرة يتردد الكثير قبل خوضها، ولكن ثقته في موهبته ربما ورغبته في التحدي دفعته لقبول المغامرة وخوضها.

لدي الكثير من التعليقات حول أداء أمين ولكن كلها تأتي من منطلق من قال لك أن رفعت يتحدث هكذا أو يسير منكسا مثلك، أو متجهم دائما بذلك الشكل، ولكن فجأة أدركت أنى أقارن رفعت الذي يعيش معي وفي عقلي برفعت الذي أراه، بمعني أكثر دقه، أقارن رفعت الروايات برفعت نتفليكس وهذا غباء.

فإذا اتفقنا أن العمل مستوحى فالمقارنة محظورة، لأن لصناع المسلسل الحق في رسم الشخصية البطل كما توجههم الدراما التي يحلمون بصنعها، فصانع الدراما عن الأعمال الأدبية، يقدم لنا حلمه الشخصي تجاه العمل الأدبي، يقدم لنا رؤيته هو لذلك الأدب، وغير مسئول عن تحقيق رؤيتي أو رؤية أحد فيه، هو ليس مسؤولا عن ظهور شخصية رفعت مثلما رآها كل شخص قرأ الروايات، لكنه مسؤول في إظهار رفعت مثلما رآها هو وحينما تصاغ دراميا كيف تصبح.

بالعودة لأمين، الذي يقدم دوره الأول خارج الكوميديا، -وهذا تحدي جديد- حيث في الغالب يعتاد الكوميديان على المبالغة حتى وان كانت بسيطة من اجل الإضحاك وبعد فترة من الوقت تصبح المبالغة سمة من سمات أداءه التمثيلي، ولكن أمين متخلصا من أي نوع من أنواع المبالغة، يقدم أداء متزن ومتميز لشخصية رفعت إسماعيل، فقط شعرت أن أمين ربما أطول مما يجب مقارنة بالممثلين المحيطين به، وهي نقطة ليست من أخطاءه ولكن يسأل عنها عمرو سلامة.

أسطورة المخرج

لا أدرى لماذا يصر عمرو سلامة في كل أعماله على أن يقف صارخا في وسط الكادر (أنا مخرج أهو.. شوفتوني وانا مخرج) السيد عمرو سلامة، باعتراف جوجل نفسه أنت تعمل في مجال الإخراج ولك أعمال خرجت للنور، فليس هناك ما يدعو على الإطلاق للاستعراض بالكاميرا وبزوايا التصوير غير المناسبة دراميا للحدث الذي تقوم بتصويره، مثل أن تقلب الكادر رأسا على عقب لتتابع حركة رفعت الصغير، أو أن تأتي من أي يسار الشاشة إلى أسفل يمين الشاشة بالكاميرا لتستعرض هويدا وهي تبحث عن تليفون والخلفية من وراءها خاوية ليست بحاجة لتلك الحركة المعقدة بالكاميرا، والله إحنا مصدقين إنك مخرج، أِخِرج بقى!!

وقبل أن انتهى من نقدي اللاذع –نعم أنا مدرك ذلك جيدا- لعمرو سلامة، لدي تساؤل واحد، روايات احمد خالد توفيق كانت تثير الرعب فينا وأنت منا في عز النهار، فهل لي أن اسأل لماذا امتازت كادرات حلقات مسلسلك بكل هذا الظلام، الإضاءة الباهتة المتكومة بسبب أو بدون سبب؟ وأخيرا، أدرك أن صلاح أبو سيف كان يهتم بشدة بأطوال الممثلين الذين سيظهرون في أفلامه ويضع حدا اقصى وأدنى للأطوال حتى تخرج الصورة متناسقة، وهذا ما فعله مثلا في فيلم القاهرة 30 وسرده الأستاذ هاشم النحاس في كتاب مذكرات فيلم، فلماذا لم تهتم بذلك لأنه كان سبب في إزعاج بصري سيء في عدد من المشاهد؟

وفي المقابل، مازلت ممتن لعمرو سلامة وحماسة الشديد لتقديم ما وراء الطبيعة، والأهم أنه على الرغم من كل ما قلته حول استعراضه بالكاميرا إلا انه استطاع في الكثير من الأحيان خلق صورة بالفعل تتناسب مع الحالة العامة للمسلسل الذي من المفترض انه من مسلسلات الإثارة والغموض، والحق أقول إن الحيلة التي قام بها في المعالجة الدرامية للمسلسل كانت موفقة للغاية واختياره للممثلين وفقا لأدائهم التمثيلي كان موفقا للغاية وخاصة سماء إبراهيم وباتع خليل، والاهم هو اختياره لخالد الكمار لوضع الموسيقى.

في النهاية اعتقد أننا سنرى موسم ثاني من “ما وراء الطبيعة”، ولابد من شكر عمرو سلامة مرة أخرى لفتحه باب جديد للدراما المصرية، باب بشكل وأسلوب مختلف تماما عن السائد، وأيضا إعادة فتح الجب الذي دفنت فيه دراما الرعب المصرية بعد أعمال مثل أبواب الخوف، ومحاولات أخرى شبه فاشلة شبه ناجحة، شكرا عمرو سلامة على السعي والفرصة.

نشر سابقا بموقع في الفن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى