نقد

محمد خان.. إضحكي يا حلوة لما أسمّعك

عمرو شاهين

في البدء كان الحكي.. ثم طور الانسان أشكاله ليصل إلى الحكي البصري بأشكال متعددة وأهمها السينما، وإذا كان الفن السابع بالأساس هو فن بصري يعتمد اعتمادا رئيسيًا على الصورة، إلا أن هذا الاعتماد مشروط، فشرط الصورة الجيدة بعيدًا عن نظريات التكوين والإضاءة هي أن تخدم الحكي المطروح بالأساس وإلا كانت مجرد صورة جيدة بصريًا ضعيفة أو معدومة سينمائيًا.

الزمن والحكاية
خان الذي بدأ مشواره السينمائي الإحترافي عام 1978 بحكايته الأولي "ضربة شمس" والذي يحكى لنا فيه قصة شمس المصور الصحفي ورحلته، ليؤسس خان خط جديدًا في الحكي السينمائي، فبعيدًا عن تعقيدات القالب الدرامي، اختار خان دائما السرد الخطي المباشر – إلا فيما ندر- حيث تبدأ الأحداث في نقطة وتسير في خط زمني مباشر لتنتهي في نقطة، دون اللجوء إلى تكنيك الفلاش باك – بإستثناء فيلم أيام السادات- أو الفلاش فورورد أو التداعي أو الحلم أو التخيل، فحكايات خان واقعية إلى درجة الخيال وحالمة إلى درجة الحقيقة.

لنقف للحظة أمام نقطة البداية في فيلم "ضربة شمس" الفيلم يبدأ غير واضحة طيلة التيترات لتضح أنها لشارع من شوارع القاهرة لتستقر الكاميرا على شباك مغلق ثم ينتقل خان لنرى شمس يفتح الشباك، إذا خان هنا سيتلصص، خان هو شمس الأخر من خلال الحوار نعلم تفاصيل شخصية شمس وشخصية سلوى، شمس مصور كاميرته ليست مجرد أداه عمله بل هي عشيقته وسلاحه القاتل، ربما كان أبلغ تعبير عن فكرة أن عدسته هي سلاحه حينما ثبتها على كتفه كبندقية وصوبها ليتأكد من جاهزيتها للعمل. 

 

 

شمس متمرد يخاف من المسئولية وعابث أيضا فجريمة قتل ساعد بالصدفة في حلها -حاجة ظريفة- بينما سلوى فتاة جيلها وبنت أفكاره، ولكنها أيضا تحمل عاداتها فرغ الإثنان قبل أن يفتح شمس الشباك من ممارسة الجنس لتلقي سلوى على مسامع حبيبها محاضره عن الإستقرار والأمان والحياة التي تتغير وشك والدتها ولكنها تعود لأحضانه، فليس لها مأوى سواه.

فقط من مشهدين عرفت تفاصيل شخصية شمس قدم خان المبررات الكافية لكل أفعال الشخصية، وسرد قصة حب طويلة ومعقدة بين شمس وسلوى في أسطر معدودة، مخرج أخر كان استهلك ما لا يقل عن 10 مشاهد لكل هذه المقدمه أما خان فقد اكتفي بأن تكون تلك المشاهد في مجرد جملة "كان يا ما كان" ليحكي قصة شمس وما حدث له.

مرة أخرى في فيلم "الحريف" نتأمل نقطة بداية الفيلم خان يستخدم أسلوبه المفضل Avan tetr"" ليعطينا كافة التفاصيل الضرورية لحياة فارس وعلاقته بجيرانه، ولكن أهم ما في هذه المشاهد هو مشهد ركض فارس، وصوت أنفاسه والذي لا يمكن استيعابه إلا بمشهد فارس وحديثه مع أنور " حسني عبد الجليل" عن عزيزة المطلقة وحينما يسأله أنور "بذمتك ما وصلتش؟". 

 

 

الحياة أمام فارس طريق يركض فيه، من خلاله يتناسى الزمن ويحاول هزيمته بالسرعة، والهرب من المسئولية فارس دائما يركض ولكنه لا يركض وراء هدف، ولكنه يركض من شيء ما تعرف في النهاية أن فارس يهرب من زمن يدرك أنه أسرع منه، فقط في مشاهد سريعة معدودة علمنا هذا، لهذا يمكن اعتبار التيتر والمشهد الأول في أفلام محمد خان هما جملة " كان يا ما كان".

الصورة حوار مرئي
السلاح الثاني في حكي محمد خان السينمائي هو التفاصيل، لكل شخصية تفاصيلها، يسلط خان عليها الكاميرته لنراها فندخل ونستوعب الشخصية وتطورتها منها فبدلا من أن يقول إن منى "زوجة رجل مهم" شخصية رقيقة فقط سلط كاميراته على حلق على شكل فراشه، فعلمنا أنها رقيقة وتوقعنا أنها ستموت سريعا كالفراشات. 

دون أن يقول أن هشام شخص قاسي شهواني مدعي أتي بشكل لمنى بعد زواجها من هشام وهي نائمة منهكة على السرير في تكوين اقرب لفتيات الليل، كأنها مجرد أداه استهلكها هشام ليفرغ شهوة غاشمة فقط بمنتهي السهولة والبساطة واليسر دون تعقيدات أو رطانة سينمائية لا طائل منها، فلا مكان على الخام إلا لكل ما هو هام ولديه الكثير ليحكيه في هذا الفيلم فلندع التفاصيل تتحدث بدلا من الحوار، ونترك الحوار لما هو لا يمكن ترجمته لصورة فقط.

 

 

تفاصيل خان ليست مجرد إكسسوارات أو حلي، ربما كانت التفاصيل نظرة أو ابتسامة أو طريقة سير لأحد الشخصيات، أو تسريحة شعر، علمنا في فيلم "موعد على العشاء" أن قصة حب ستنشأ بين نوال وشكري بعدما ترك شكري أثره على تصفيفة شعرها، شكرى قادر أن يهب الروح في قلب نوال بدا هذا واضحا حينما تحول شكلها من الموت إلى الحياة بلمسات بسيطة.

في الفيلم نفسه نعلم إفتقاد نوال لوالدها وتعلقها الشديد به وعلاقتها به، من مجرد أثر لوحة رأتها في قاعة المزادات وارادت شرائها، هكذا دون أن يتحدث خان مطلقًا عن علاقة نوال بأبيها طيلة الفيلم، علمنا كل هذا من المشهد مرئي كشف عن تفاصيل إضافية للشخصية.

 

 

ضلع الإطار الأبرز
أما السلاح الثالث لحواديت خان هو شخصياته الثانوية، فالحكاية لا تستقيم بدونهم هم يؤثرون في الأبطال ويظهرون جوانب أخرى خفيه فيهم ولا مثال أبرز وأوضح من شخصية كابتن مورو في فيلم "الحريف"، الرياضي العجوز الذي هزمه الزمن فأصبح يجلس على المقهي يراقب الوقت كي يلحق برفاقه الذين سبقوه، يستمتع بمصاحبة فارس وسرد القصص القديمة، ليظهر أكثر خوف فارس من الزمن وسعيه للتغلب عليه، وكذلك شخصيه الرجل العامل في التلفزيون والذي نسيه الجميع وظل ينتظر هو الأخر أن يأتيه هاتف يطلبه ف عمل وحينما جاء كان قد فارق.

 

 

تخيل شخصية شمس على سبيل المثال دون شخصيه صديقه الصحفي الذي يقتل في مطاردة، تجدها منقوصه وغير كاملة الشخصية المضادة للبطل والمعاكسه له تظهر أزمة البطل وضعفه وقوته، هي أحد اضلاع الإطار الذي يضع فيه خان "فارسه"، وقياسًا على ذلك نجد جميع أبطال خان.

وحتى تستقيم الحكاية لا يوجد ما يسمى بالشر المطلق، فالشر والشرير في حواديت خان هو شرير درامي كما يجب أن يكون، هو فقط شرير لأن مصالحه تتعارض مع مصالح البطل الذي يجعلنا خان نتعاطف معه، فأدهم الوزان مثلا في فيلم "فارس المدينة" ليس شرير هو رجل أعمال قاسي وشرس رجل أعمال نموذجي و تاجر مخدرات، مثله مثل فارس سلك طريقه بشكل غير مشروع ولكن ما يجعلنا نتعاطف مع فارس هو ما تبقى من "جدعنة" و شهامة وإنسانية، وربما بدونها لكان فارس أشرس و اقسى من أدهم، ولكننا لا نتعاطف مع أدهم على الإطلاق رغم أن لديه مبرره أن يكون مضاد لفارس.

 

وفرضًا إذا إفترضنا أن شخصية رزق الأعرج في "الحريف" هو الجانب المعادي لشخصية فارس فأنت تكره لأنك تحب فارس وهو يقف في طريق فارس لأن مصالحه تتعارض مع مصالح البطل، وهكذا فلا شرير في أفلام خان دون مبرر ودافع ودافع قوي ومنطقي أيضا.

النهايات وفن صنع النهاية
السلاح الرابع لخان في حكاياته هو نهايتها، أبطال خان لا تنتصر بالمعنى المفهوم للانتصار، فالحريف يفوز في مباراته الأخيرة ولكنه ينصاع لأحكام الزمن، وفارس المدينة يسد ديونه ولكنه يعود إلى نقطة تعلو عن الصفر بمللي متر، أما شكري فيقتله عزت، لتضرب له نوال موعد على العشاء ويموت الاثنان بالسم. 

بينما يقتل هشام "الرجل المهم" زوجته، أما مستر كاراتيه يعود فائزًا بحب وزوجه بعدما خسر ساقه وطموحه وصديقه، حتى السادات يتم إغتياله، ويمكن استثناء شمس من تلك الهزائم الواقعية جدا، لأن شمس كان لابد أن ينتصر وأيضا عطية انتصر لنفسه "فلم يعد"، لذلك فإن أغلب نهايات حكايات خان منطقية وإنسانية بشكل لا يصدق.

 

خان ليس مجرد مخرج هام أو سينمائي متميز يصعب أن يجود الزمان بمثله، خان هو حكاء سينمائي من الدرجة الأولى والتي نادر أن نراها في السينما المصرية، حكاء لا يهتم بأن نسعد بإنتصار أبطاله على قدر ما يهتم بأن يكون أبطاله من لحم ودم حقيقي بعيدا عن الانتصار أو الهزيمة.
 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى