رأي

محمود رضا.. التعبير عن هوية مصر (1-2)

 

مصطفى عزالعرب

 

لم يتخيل الفتى صاحب الثانية عشر عاماً يوماً أنه سوف يصير واحداً من رواد الفن المصري الحديث، وأن حياته سوف تُسخر لإحياء وحفظ تراث وفلكلور مصر الشعبي بكل ما يحمله من أصالة وعراقة وتميز تدعم وتعضد جذور الشخصية المصرية الراسية الراسخة في باطن الأرض منذ آلاف السنين.

 

لا يمكن أن نتحدث عن الفن المصري الحديث ولا نتذكر محمود رضا الذي استطاع أن ينفذ إلى عقل وقلب المصريين ليعبر عن هويتهم وإبداعهم ويصير نافذة العالم على وجه مصر الحقيقي في أوقات مختلفة من عمر القرن العشرين.

 

ولد محمود رضا بالقاهرة يوم 11 نوفمبر عام 1930، وكان ترتيبه الثامن بين عشرة إخوة، وكان يكبره بخمس سنوات أخيه وشريك رحلة كفاحه الراقص والمخرج والممثل على رضا، وكان الأب يعمل امجن مكتبة بجامعة القاهرة وله العديد من المؤلفات الدينية والإسلامية، لكنه كان يهوى الفن ويعزف على العود، مما كان له أثراً عظيم علي تفهمه لميول أبناءه الفنية فكان لا يعترض على ممارستهم الفن، لكنه كان يحذرهم دائما من إهمال الدراسة.

 

أما محمود كان بجانب عشقه للفن فكان محباً وممارساً للرياضة وقد مثّل مصر في الأولمبياد حيث كان لاعب جمباز، ومارس أيضا الغوص والسباحة، ويرى محمود رضا أن حبه للرياضة قد منحه فرصة الابتعاد أن عن ممارسة أي عادة سيئة فحافظ على صحته ولياقته وعزز حبه للصبر والمثابرة وكان لها عظيم الأثر على مسيرته كراقص.

 

وبدأ اهتمام محمود رضا بالرقص منذ سن صغيرة حيث لم يكن قد جاوز الثانية عشر عاماً، وكان نافذته على هذا العالم هو اخوه الأكبر على رضا الذى كان في بداية سن الشباب راقصاً متميزاً في الرقصات الغربية وينافس الإنجليز والإيطاليين والفرنسيين وكان يفوز عليهم دائماً، صاحب هذا الثورة العالمية في مجال أفلام السينما الغنائية والتي كانت تمتلئ بالعروض الراقصة والغنائية والاستعراضات المميزة في فترة الأربعينات، فتأثر بفنانين كبار مثل جين كيلي وفريد استير، وكان يحاول أن يلتقط من الأفلام الخطوات الخاصة بكل رقصة وكل استعراض، فكان يمكن أن يشاهد الفيلم عشرات وعشرات المرات، لكنه في نفس الوقت كان لديه اتفاق وعهد مع والده ألا يهمل دراسته، وألا يتعثر مساره التعليمي.

 

 

كان يأخذ مع كتبه الدراسية معه إلى سينما أثناء دراسته خاصة في فترة الجامعة، فكان يجلس في صالون سينما مترو الشهيرة يذاكر حتى تنتهي عروض النشرة الإخبارية الناطقة وعروض ميكي ماوس وتوم وجيري التي كان معتاد عرضها قبل بدء الفيلم، وبمجرد أن يبدأ الفيلم يسرع ويركز كل حواسه على حفظ كل خطوة ولمسة وهمسة ويخزنها في ذاكرته ليعيدها ويحفظ تأديتها، ويسرع بعد انتهاء العرض إلى أحد الشوارع الجانبية ليعيد تأدية خطوات الرقصة فكان يخشى أن ينساها قبل أن يصل إلى المنزل.

 

أما البداية المحترفة كانت من خلال مجموعة من الأفلام حيث شارك فيها راقصاً، وكان حريص على تطوير أداءه كراقص حتى عام 1954 في إحدى المرات كان يشاهد فرقة عالمية يقودها الفنان الأرجنتيني ألفريدو آلاريا، فتعرف عليه بعد العرض وانضم إلى الفرقة وشارك في جولة 6 أشهر للفرقة في فرنسا وإيطاليا.

 

 

كان مرتبه من الفرقة يدفعه لتعلم المزيد من الرقص في فرنسا وروما ليطور من قدراته، وفى هذه الأثناء تعجب لماذا لا يوجد في مصر فرقة استعراضية تعرض التراث والفلكلور المصري مثلما تفعل هذه الفرقة في عرض الفلكلور الأرجنتيني، فعاد إلى مصر يتوى تأسيس الفرقة وتواصل مع وزارة الثقافة والإرشاد القومي، وبدأ يجول في مصر شمالاً وجنوباً، يدرس الملابس لكل إقليم ويسجل الأغاني الشهيرة والرقصات، كيف يفرحون كيف يحزنون.

 

 

لكن في هذا الوقت كان لديه التزام عائلي حيث كان تقدم لخطبة حب حياته "نجيدة" الأخت الكبرى لراقصة الفرقة الأولى فريدة فهمي فيما بعد، فبدأ العمل في شركة شل للبترول، وانتقل للحياة في السويس وتعطل مشروعه الفني.

 

 

إلا انه بعد فترة قصيرة جاءه جواب من الكاتب يحيى حقي رئيس مصلحة الفنون وقتها عارضاً عليه العمل كبطل أوبريت "يا ليل يا عين"، فوافق على الفور وتم انتدابه للعمل بالمصلحة مع مجموعة من المبدعين المصريين مثل نعيمة عاكف وزكى طليمات وكارم محمود وشهرزاد ونجح العرض واستمر فترة طويلة، وقد شارك في تصميم الرقصات في الأوبريت وكان أول تطبيق عملي لما يفكر فيه فكان يفكر دائما كيف يرقص الفلاحون وكيف يرقص العمال، ماذا يرتدون.

 

 

بعد انتهاء عرض الأوبريت، تواصل مع وزير الثقافة وقتها فتحي رضوان، فشجعه على استكمال المشروع الفلكلوري، ولكن بعد أن تورط رضا في التجهيزات الأولى والإعلانات وبعدما صرف من أمواله الخاصة تراجعت الحكومة عن دعم المشروع وتهرب الوزير من مقابلته عدة مرات.

 

 

قرر محمود أن يواصل العمل على الفرقة تحت اسم فرقة رضا للفنون الشعبية رغم الانكسار والإحباط لكنه خلق لديه الحافز والتحدي على الاستمرار، وبحماس من عدد من الفنانين الشباب الذين عاونوه وشخصيات كانت مؤمنة بتجربته مثل الدكتور حسن فهمي أستاذ الهندسة بجامعة القاهرة ووالد فريدة زوجة أخيه بطلة الفرقة ونجيدة زوجته الذي ترك لمحمود فيلا تخصه في مصر الجديدة لتتدرب الفرقة بها وانتقل بأسرته إلى مكان آخر.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى