نقد

منة شلبي..ساحرة السينما المصرية في الألفية الجديدة (2-3)

محمد سيد عبدالرحيم

 

جسد أنثوي ينطق بمعاني شتى

نستطيع أن نقول بكل ثقة أن فيلمي "أحلى الأوقات" و"بنات وسط البلد" 2005 والأخير بطولتها مع هند صبري وخالد أبو النجا اخراج محمد خان هما الفيلمان الذين طورا تماما من أداء منة شلبي الذي نجده حتى الآن. فالأول قد قدم لها شكلا مختلفا يبتعد عن أدوار الفتاة المراهقة أو الشابة لنجد امرأة مكتملة لها مشاعر المرأة لا الفتاة.

 

 

والفيلم الثاني هو الذي طور أداءها من حيث التعبير الحركي أيضا لا فقط من حيث تعبير انفعالات الوجه وخاصة العينين وهي الانفعالات التي كانت تستخدمهم كثيرا كسلاح لها قبل هذا الفيلم. ففي هذا الفيلم، تغيرت منة شلبي كثيرا حيث نجدها تقفز وتجري وتدور وتحرك كتفيها وجذعها بالإضافة بالتأكيد إلى لغة العيون التي تبرع فيها وأيضا ارتعاشات الأنف والفم التي تعلمتها في هذا الفيلم. في هذا الفيلم، اكتشفت منة شلبي أن لها جسدا بقادر على التعبير ولا يقل أهمية أبدا عن لغة العيون التي تعلمتها منذ بدايتها التمثيلية والسينمائية وبسرعة وبسبب اتساع عيناها حيث تظهر انفعالات العيون بسهولة.

 

 

منذ هذين الفيلمين، تحولت منة شلبي إلى ممثلة محترفة تستطيع بسهولة أن تلعب أي دور بعد أن كانت ممثلة يجلبها المخرج لأداء دور معين قريب جدا لشخصيتها الحقيقية. في هذين الفيلمين، ولدت منة شلبي جديدة من رحم منة شلبي القديمة لنشهد سلسلة من الأدوار التي قربتها أكثر من المشاهدين فعشقوها ومن النقاد فأشادوا بها وبأدوارها.

 

هذا العشق وظفه كلا من أحمد نادر جلال وكاملة أبو ذكري –كلا منهما على طريقته المختلفة تماما والمتميزة عن الآخر– في أفلام "واحد من الناس" 2006 بطولتها مع كريم عبد العزيز و"عن العشق والهوى" بطولتها مع منى زكي وأحمد السقا وبشرى وخالد صالح وغادة عبد الرازق. في الفيلم الأول، لا تظهر منة شلبي سوى بضع دقائق قليلة – أقل من ربع الفيلم – ولكنها دقائق مؤثرة غاية التأثير في سياق الفيلم والتغيرات والغايات المتعلقة ببطل الفيلم.

 

 

والأهم المشاعر التي تركتها منة شلبي في عقول وقلوب المشاهدين عبر نظرة عيناها الميتة حيث برعت تمام البراعة في تفريغ عيناها من كل حياة وبنفس الوقت في جعل المشاهد يشعر بآسف شديد على قتل هذه الزوجة والأم المثالية والقوية والحنون كأغلب الزوجات والأمهات المصريات. في عز شباب الشخصية وعز شباب الفيلم نفقد منة شلبي لنعيش رحلة الانتقام مع البطل الذي قام بدوره كريم عبد العزيز. انتقام للذات قبل أن يكون انتقاما للزوجة. انتقام لفقدان صورة مثالية للمرأة جسدتها بحرفية واقتدار منة شلبي في دور لا يمكن نسيانه أبدا أو إغفاله من ضمن أعمالها رغم قصره الشديد.

 

قصر الدور هذا يعكس أيضا مدى ذكاء الممثلة منة شلبي التي تختار أدورا ليس حسب عدد المشاهد التي ستظهر فيها في الفيلم ولكن في مدى تأثير هذا الدور خاصة وهذا الفيلم عامة. وهو نفسه السبب الذي جعلها تعمل مع مجموعة من المخرجين الشباب مثلما فعلت مع هالة خليل وكاملة أبو ذكري أو مع مريم أبو عوف في فيلم "بيبو وبشير" 2011 وأحمد عبد الله في فيلم "ميكروفون" 2011. فوجودها في هذه الأفلام – وأفلام أخرى بعد ذلك لنفس المخرجين – دفع هؤلاء المخرجين خطوة كبيرة للأمام بينما دفعها هي نفسها عدة خطوات للأمام. ففي هذه النوعية من الأفلام فقط يشهد الممثل أدوارا مختلفة بالفعل ويجد نفسه مجبرا على تغيير وتطور أداءه وسط صعوبات عدة. وهو ما قامت به الفعل منة شلبي في عدة افلام أهمها فيلم "نوارة" 2015 الذي ظهرت فيه بشكل مختلف تماما عن شخصيتها الطبيعة أو حتى الأدوار السابقة التي قامت بها من قبل.

 

 

ففي فيلم "نوارة"، نجد فتاة من منطقة شعبية تعمل كخادمة في بيت أحد الأغنياء بأحد أحياء الكمبوندات – أو دعونا نقول محميات الأثرياء في الألفية الجديدة. في هذا الفيلم، غيرت منة شلبي شكلها تماما حتى تستطيع أن تقنع المشاهد وغيرت تماما من أداءها لتجعله أكثر ثقلا في المشاعر وفي الحركة فنجد حركتها بطيئة تعبيرا منها عن مدى ثقل الواقع من فقر وقهر والذي يقف فوق أكتافها فيجعلها لا تستطيع أن تتحرك بسهولة وحرية. جسدت منة شلبي في هذا الفيلم صعوبات حياة فتاة وطبقة اجتماعية بأكملها تعيش في مصر في فترة ثورة يناير 2011.

 

 

في مسيرتها القصيرة – 19 عاما فقط – والطويلة – مجموعة من الأفلام التي تعتبر من أهم أفلام الألفية الجديدة – كانت منة شلبي نموذجا حيا وجيدا للممثلة التي نحتاجها الآن. بالتأكيد ساعدتها الظروف في أن تبدأ مع مخرج كبير وهو الراحل رضوان الكاشف والذي فتح لها آفاقا لا محدودة من التدريب العملي على التمثيل وأمام نجم كبير ومخضرم وهو محمود عبد العزيز إلا أن منة شلبي بمجهودها وحده استطاعت أن تطور من نفسها عبر العمل الدائم والاهتمام المتزايد بتفاصيل الشخصيات وكيفية التعبير عن مشاعرها وأحاسيسها.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى