نقد

من ذاكرة السينما: سرقات صيفية (2-2)

 

 

حسن حداد

 

 

يضعنا يسري نصر الله في فيلمه الأول (سرقات صيفية – 1987) أمام مأساة هذه العائلة الإقطاعية، التي تعيش تناقضات كثيرة وخطرة على مستوى العلاقات الإجتماعية والإقتصادية، وبالتالي تؤدي الى تفككها وتحللها نتيجة تلك الهزات العاطفية والأمراض النفسية المتأصلة. فالجيل الأول لم يتوصل الى المصالحة النفسية مع الذات، ليصاب بالقلق والإضطراب. والجيل الثاني يصاب بالعجز وعدم التواصل مع الآخر. أما الجيل الثالث فقد وصل حد الكراهية للذات والرغبة في الضياع.

 

 

فالصراع يدور بين شخصيات الفيلم/العائلة ضمن ثلاثة محاور.. الملكية – العائلة – الدولة. الملكية: تتجسد في شخصية الجد، كونه مؤسس هذه الملكية وشرف الأبناء الدفاع عن هذه الملكية. والعائلة: تبدأ نتيجة لهذه الملكية وتستمر كوعاء لها. فالعائلة في هذه الحالة ليست عبارة عن علاقات إجتماعية مترابطة، وإنما هي علاقات تحتويها إضطرابات كثيرة مع كل تغيير يطرأ على الأرض/ الملكية. حيث يداخلنا الشك في وجود علاقات طبيعية كالتضامن والمحبة والأخوة بين أفراد هذه العائلة، وإن وجدت فهي وسائل فقط للحفاظ على ملكية الأرض وإستمرارها. ثم المحور الثالث وهو الدولة: التي هي إستمرار للتاريخ الإجتماعي للعائلة، فالحكومة هنا هي الهرم الذي يجاور الملكية ويكون حارساً عليها. وعندما لن يكون كذلك فإن الملكية تكون في خطر.

 

 

لقد نجح المخرج يسري نصر الله في الغوص في أعماق شخصياته المتمثلة في أفراد العائلة، وتعرية طبيعتها ودوافعها وإدانتها بشكل قاس وجريء، ولكنه في نفس الوقت كان حريصاً على أن يمسح على آلامها وجروحها بحب وحنان. إننا نشعر بمأساة هذه العائلة ونتفاعل معها، فهي تشحننا ضدها على المستوى الإجتماعي والسياسي، كما تثير تعاطفنا على مستوى أزماتها العاطفية والنفسية. والفيلم ينطلق من مجموعة حية من الأفكار والمشاعر، ويداعب عواطف راقية للمتفرج الحساس الذي لا يبحث عن الميلودراما المخدرة.

 

 

هو أيضاً فيلم لا يعتمد في سرده على الأسلوب التقليدي للدراما، وإنما على توظيف إمكانيات السينما في خلق حالات وعلاقات، لذلك فمن الصعب البحث عن حدوتة أو أحداثاً متتابعة، هذا إضافة الى أن المخرج قد نجح الى حد كبير في السيطرة على جميع أدواته الفنية والتقنية (أداء – تصوير – مونتاج – موسيقى – ديكور)، وإستطاع توظيفها لخدمة مضمونه الدرامي. فالملاحظ بأن أغلب المشاهد التي تدور داخل البيت الكبير بأسواره وأثاثه وألوان شبابيكه، تميزت بإضاءة محايدة بين الحزن والفرح.. إضاءة خافتة وألوان مطفئة، وليس هذا إلا تعبيراً موحياً وتجسيداً لكافة العلاقات الإنسانية المتناقضة والعواطف المحبطة.

 

 

هذا بخلاف الجزء الثاني من الفيلم حيث الإضاءة الساطعة، بعد تفكك العائلة وإنهيار البيت الكبير، أضيئت المشاهد هنا لكي نرى هذا التفكك والإنهيار، كما عبر ياسر في حديثه عن مشهد مماثل في بيروت.

 

 

يسرى نصر الله في فيلمه هذا يقوم بعرض هذه المرحلة التاريخية الهامة من خلال الحياة اليومية لهذه العائلة، بكل تفاصيلها وخصوصياتها، وتجسيدها بشكل واقعي صادق من خلال ذلك الإيقاع المميت لتتابع المشاهد وحركة الكاميرا أو المونتاج الخاد في القطع. إنه يتذكر جوانب من سيرته الذاتية، لذلك أتصف الفيلم بدفء المعايشة الشخصية للحدث.

 

 

أخيراً، ينبغي الإشارة الى أن فيلم (سرقات صيفية) عمل ليس له علاقة تماماً بالإنتاج السينمائي المصري المهيمن.. عمل متحرر من كافة قيود الإنتاج التقليدي.. عمل لا يعتمد على نظام النجوم. كل هذا قد جعله فيلماً متميزاً، وجعل مخرجه في حالة فريدة من الحرية الفنية والشخصية، لتقديم فيلم إنطلق أساساً من قناعاته هو كفنان وإنسان، وكانت النتيجة مذهلة. فقد تخطى بنجاح هذه المغامرة الفنية الخطرة في ظل هيمنة تيار السينما التقليدية.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى