نقد

“موت ستالين”.. كوميديا الرعب والقسوة

كاظم مرشد السلوم 

لم يكن الفتى الجورجي يطمح ليكون رئيسا لواحد من اكبر واقوى دول العالم، حيث بدا شاعرا، يتحدر من عائلة بسيطة، لكن قدره قاده ليصبح واحدا من اكثر الشخصيات شهرة في العالم بسبب قسوته ودكتاتورية المثيرة للجدل، فالبعض يرى ان من فضائل ستالين الوقوف بوجه الزعيم النازي والدكتاتور المرعب  هتلر وقواته الضاربة ليهزمه ويلاحقه الى عقر داره في برلين، وبناءه لدولة كانت ندا للولايات المتحدة الامريكية التي كادت ان تنفرد بقيادة العالم لولا وجود الاتحاد السوفياتي القوي وامتلاكه للقنبلة الذرية التي اعتقدت الولايات المتحدة انها تنفرد بامتلاكها وبثت الرعب في مختلف دول العالم بعد ان القت أثنين منها على مدينتي هيروشيما وناجازاكي اليابانيتين. 

في المقابل تقول السجلات السوفيتية الرسمية ان ستالين قام بعمليات تطهير راح ضحيتها 700 ألف شخص بين العاملين 1937 – 1938، فأي عنف ورعب ذاك الذي يبثه هذا الرجل في نفوس اعدائه بل في نفوس شعب بكامله، اذن هو لا يختلف عن أي دكتاتور سلاحه القوة والتدمير، والبعض يعتبره ضمن الشخصيات الدكتاتورية الوطنية. 

في فلمه " موت ستالين " الذي عرض في مهرجان دبي السينمائي الدولي الـ14، يتصدى فيه المخرج الأسكتلندي أرماندو يانوشي الى الساعات والأيام الأولى التي أعقبت موت ستالين، والصراع الذي دار بين القادة الذين كانوا يحيطون بستالين ويأتمرون بأوامره ولا يتجرؤون على مناقشته في أي أمر، كوميديا سوداء، ربما قابلها الجمهور بالكثير من الضحك، لكن دلالة الصور والحوار، تحيل المتلقي الى ما هو ابعد من الكوميديا، بل يمكن له ان يتخيل حجم الرعب الذي كان يعيشه البلد بسبب قسوة قائده.

كذلك يمكن ان يحيل البعض ممن عاصروا او عاشوا في بلدان حكمها دكتاتور لأكثر من 30 سنة، ويقارن بدلالة الصورة السينمائية التي امامه بما كان يحدث في بلاده.

يبدأ الفيلم من غرفة مدير قاعة سينمائية، يستمع لحفل موسيقى ما ان ينتهي، يتلقى اتصالا هاتفيا من الرئيس ستالين، يطالبه بإرسال تسجيل الحفل اليه، وهو الذي لم يسجل الحفل، من هنا يبدأ الفلم بإظهار حجم الرعب، المدير يأمر بقاء من في القاعة، بل ويدخل أناس من الشارع لا علاقة لهم بالموسيقى، فلاحون مع دجاجهم ولا أحد يعي حجم الرعب الذي يعيشه الرجل، في النهاية ينجح في إعادة العزف وتسجيل الحفل.

ننتقل الى سهرات اجبارية يفرضها ستالين على رفاقه، خروتشوف، بيريا، مالينكوف، جوكوف، وعادة ما تنتهي هذه السهرة بمشاهدة فلم سينمائي. 

في غرفته يضع ستالين التسجيل الموسيقى المرسل اليه، فيما تصله رسالة من مغنية الفرقة الموسيقية المعارضة، ليصاب بجلطة دماغية ويسقط على الأرض، هنا ننتقل الى حجم الرعب والخوف الذي يبثه الزعيم الدكتاتور، فلا احد يتجرأ في الدخول الى غرفته " تماما مثل دكتاتور ماركيز في روايته خريف البطريك "  فرغم سماع الحرس لصوت سقوطه على الأرض الا انهم لا يجرؤن الدخول الى غرفته، ولا يكتشف ما حصل له الا من خلال الخادمة التي تجلب له الفطور، هنا ننتقل الى المستوى الثاني من الخوف والرعب، فلا احد من كبار القادة يصدق ما حصل او هل يمكن ان يحصل لشخص مثل ستالين، الرجل مات لكنهم لا يتجرؤون على إعلان ذلك او تصديقه، الا بعد ان يؤكد الأطباء ذلك، وحتى الأطباء ينتابهم حالة من الهلع والخوف لدى فحصهم له. 

هنا ننتقل الى بداية المؤامرة والدسائس بين رفاق الامس وخصماء اليوم، فبيريا القائد الذي يحتفظ بكل قوائم الإعدام، يقوم بتمزيقها حتى يكسب ثقة من عاداه سابقا، ويأمر بان تتسلم قوات الشرطة السرية التي يشرف عليها مهمة حفظ الامن بدل الجيش، فيما يشتغل خروتشوف مع وزير الدفاع بهدوء للسيطرة على الوضع واستلام مقاليد الحكم. 

ووسط ذلك يتم استدعاء عائلة ستالين ابنه فاسيلي المدمن للكحول، وابنته سيفتلانا الرزينة والذكية، حيث يتفاجأن بحجم المؤامرة، وخسارتهم لكل شيء بموت والدهم. 

اذن الصراع الرئيس يدور بين خروتشوف وبيريا، والأخير راهن على قوات الشرطة ونسى دور وزير الدفاع الذي أعاد الجيش الى ثكناته وامر باعتقال بيريا ومن ثم اعدامه، ليؤول الامر الى خروتشوف، صاحب المشهد المثير على منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة احتجاجا على خطاب رئيس الوفد الفلبيني، لورينزو سومولونج.

يؤدي الممثل سيمون راسل بيل دور بيريا المساعد الأول لستالين والمشرف على قوائم الإعدام وبدا مقنعا في أدائه للدور، عنيفا جدا ويشرف على علميات التعذيب، وداهية وماكرا حين يعلم ان الفرص مواتية للانقضاض على السطلة والظفر بمنصب الرئيس، فيقوم بإتلاف قوائم الإعدام التي سبق واعدها ستالين لضحاياه الجدد.

فيما يؤدي ستيف بوسيمي دور خروتشوف بإتقان تام ففي حياة ستالين يكون منافقا متملقا لزعيمه، حتى انه يجبر زوجته على الاحتفاظ بسجل يدون فيه اهم دعاباته التي ضحك الدكتاتور عليها، وبعد وفاة الزعيم يبدو ماكرا ليطيح ب بيريا ليحظى بمنصب رجل الدولة والزعيم الأوحد.

جيفري تمبور أدى دور مالينكوف الشخص الذي يأتي بعد ستالين في هرم السلطة، ويعهد له قيادة البلاد لحين انتخاب زعيم جديد لكنه لم يكن في حقيقة الامر ذاك الشخص الذي يستطيع النهوض بالمهمة والمضي بها قدما، كونه كان شبه تابعا لبيريا. 

والسؤال هل كانت رواية موت ستالين للكاتبين فابين نوري وثيري روبين، تحمل ذات النفس الكوميدي الذي طغى على الفلم، ام ان أيانوتشي، أراد للفلم ان يكون هكذا، كون شخصياته تنوعت بين الحازمة والبرغماتية والمترددة والماكرة.

بالتأكيد الفيلم اثار وسيثير الكثير من الجدل بين من هم يعتقدون بدور ستالين الإيجابي في توازن القوى العالمي من خلال بناء دولة قوية استطاع تحويلها من دولة زراعية الى اقتصادية متطورة، وبين يرى ان الدكتاتورية متشابهة ومقيتة في أي مكان وزمان. 
.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى