نقد

“مولانــــا”.. مواجهة مفتوحة مع الأفكار المعلبة

كاظم مرشد السلوم 

ليس غريبا ان يثار جدل كبير حول فيلم "مولانا" للمخرج مجدي أحمد علي، كونه مأخوذا عن رواية الكاتب ابراهيم عيسى التي تحمل نفس الاسم، والتي اثير حولها جدل مازال مستمرا، بدعوى تعرض الكاتب الى الدين الاسلامي والى جامعة الازهر وشيوخها بشكل خاص، حتى وصل الامر الى ان الدكتور والعالم الازهري علي محمد الأزهري، المدرس بجامعة الأزهر، اعتبر ان مؤلف رواية مولانا، يحاول تشويه "الزي الأزهري" ورجاله بشكل متعمد.. ووصف الرواية بأنها "عمل خبيث" يحارب الدين، ويتعمد وصم الأزهر بكل ما لا يليق.

 

 

لكن حقيقية الاعتراض هي ان الرواية تناقش وتعبر الكثير من الخطوط الحمر التي يضعها بعض رجال الدين في وجه الطروحات التي تحاول ان تناقش بعض الاشكالات حول الأحاديث النبوية، والمعتزلة، والتشيع، وأهل الذمة، والإرهاب، وشيوخ الفضائيات.

من يقرأ الرواية يجد فارقا كبيرا بينها وبين الفيلم، وذلك نابع من اختلاف الوسيط التعبيري بين الاثنين، الرواية والفيلم، رغم علاقة التعايش الكبيرة بينهما، والتي وجدت منذ ولادة السينما، لكن حسنا فعل المخرج مجدي أحمد علي حين أشرك الكاتب ابراهيم عيسى بكتابة السيناريو والحوار، الأمر الذي قرب المسافة بين الاثنين الى حد كبير. 

 

 

الجدل الذي سيثار حول الفيلم قد يكون أكبر من الجدل السابق الذي أثير حول الرواية كون العمل الروائي ربما لا يقرأه الكثيرون او تقرأه النخبة فقط، بينما الفيلم يمكن ان يشاهده الآلاف من عامة الناس. 

قد يكون المنتج محمد العدل والمخرج مجدي أحمد والكاتب ابراهيم عيسى، يعرفون انهم سيكونون بمواجهة مفتوحة مع رجال الدين بعد عرض الفيلم المقرر له ان يكون في بداية العام الحالي، وبعض من هذا قد تحقق اثناء عرضه العالمي الاول في مهرجان دبي السينمائي الـ13، وضمن مسابقة المهر الطويل، حيث لمست اعتراض البعض عليه انطلاقا من بعض الذي ذكرت في البداية، رغم أنهم صحفيون ومهتمون بالشأن السينمائي، فيما البعض الاخر قد صفق للفيلم طويلا، ولأكثر من مرة، ووقف الكثيرون ليصفقوا لكادر العمل بعد انتهاء العرض.

 

 

وتدور أحداث الفيلم حول رجل الدين "حاتم الشناوي" عمرو سعد، الذي يشاء القدر ان يتصدى لخطبة الجمعة في الجامع الكبير وبحضور العديد من المسؤولين، بعد مرض مفاجئ ألم بالشيخ الاساسي، الراحل أحمد راتب، لينال اعجاب الفضائيات التي تعرض عليه العمل في برامجها الدينية، ليبرع في ذلك ويكون له جمهور كبير من المشاهدين، وليثري بشكل سريع، فيركب أحدث السيارات، بعد ان كان في المشهد الاول من الفيلم، يركب الـ"توك توك".

لكن سعادته هذه، يشوبها الكثير من المنغصات قد يكون اولها احساس بصراع داخلي وتأنيب ضمير، يخص ما يطرحه على الشاشة او في خطب الجمعة وبين ما يؤمن به فعلا، فيما يعاني اجتماعيا من علاقته مع زوجته ومرض ابنه شبه الدائم، ليتكلل كل ذلك بتوريطه في عملية اصلاح شاب من العائلة الحاكمة، عائد من الخارج ويريد ان يصبح مسيحيا، وهو امر ترفضه العائلة، حتى لو ادى ذلك الى تصفيته. 

 

 

لكنهم يأملون بان الشيخ الالمعي والنجم التلفزيوني "حاتم الشناوي" ممكن ان يعيده الى جادة الصواب، بعد ان فشل في تحقيق ذلك بعض شيوخ الازهر، علاقته القوية وحبه لأحد شيوخ المعتزلة، والذي يعتبره بمثابة اب له وضعه تحت رقابة الاجهزة الاستخباراتية، التي بدأت تحيك له المؤامرات، ليتم في الاخر تصفية الشيخ المعتزلي، وحصول تفجير في كنيسة، نكتشف ان الشاب الذي يريد ان يتنصر هو من فجرها، وكان ادعاؤه برغبته في التنصر، هو محض غطاء لفعلته . 

يضخ الفيلم، كما الرواية العديد من الطروحات ويناقش العديد من الافكار والحوادث التاريخية، من خلال الحوار الذي كتبه ابراهيم عيسى بنفسه. 

الأحاديث الحقيقية والموضوعة والمزورة، التشيع والتصوف والمعتزلة، الارهاب، وهي الشغل الشاغل للشارع الاسلامي عموما والعربي خصوصا، هي التيمة التي يطرحها الفيلم، ضمن إطار حكاية مولانا، الشيخ حاتم الشناوي، حيث يتقرب منها بدرجة كبيرة، راجعا ومستندا وبوضوح الى كتب التاريخ والتراث.

 

 

الفيلم لا ينتصر لأحد على حساب الاخر، بل يطرح ما يعتقد أنه الصح والحق، متخذا من امكانية تأثير الفيلم على المتلقي وجعله يناقش ويراجع الكثير مما يؤمن به ويعتقده صحيحا، وان كانت الدعوة لمقاطعته والتحريض ضده قد سبق عرضه. حيث يقول مخرجه "أرفض الحكم على الفيلم قبل عرضه، ونحن لا نوثق لجميع المشايخ في الأحداث وإنما نتحدث عن حالة بعينها لا تنسحب بالتأكيد على جميع رجال الأزهر".. اذن نحن امام فيلم يحمل قضية، يعتقد صانعوه " كاتب ومخرج ومنتج " ان من الواجب اطلاع الناس على المسكوت عنه في الدين والتاريخ والتراث والعبادات والمعاملات، فهل نجح الفيلم في ذلك؟

لا اعتقد ان فيلما واحدا او رواية مثل " مولانا " يمكن ان تؤثر في جمهور قضى أكثر من ألف واربعمئة عام يستمع الى شيوخ يلقون عليهم الكثير من القصص، والأحاديث، ولم تتغير طريقة خطابهم طوال هذه الفترة، بل هو محاولة لإعادة قراءة التاريخ، ومناقشة ما جعله البعض محرما وهو غير ذلك، حيث حاول الثنائي مجدي احمد وابراهيم عيسى ان يحققا ذلك في اشتراكهما في كل ما يخص الفيلم تقريبا، وتحويلهما الرواية الى فيلم، مختزلين الكثير من الرواية بالاستعاضة بالصورة وسيط الفيلم التعبيري. 

 

 

روح الفكاهة التي طبعت الفيلم من خلال شخصية الشيخ، ساعدت كثيرا في تقبل الجمهور للفيلم، فبدا فيلما خفيفا في شكله عميق الأثر ومتخم بالأفكار في  حقيقته، حيث نجح بطله عمرو سعد في تقمص شخصية الشيخ حاتم الشناوي، ناثرا دعاباته سواء في الجامع او الاستوديو وحتى داخل اروقة الاستخبارات، وهي في حقيقتها دعابات مرة تنقد واقع المؤسسة الدينية، فاضحة شيوخ الفضائيات الذين تكاثروا بشكل كبير بعد الربيع العربي، حيث ذكر المخرج مجدي أحمد علي في المؤتمر الصحفي الذي عقد في المركز الاعلامي لمهرجان دبي السينمائي، ان هناك الكثير من شيوخ الفضائيات في الواقع، "وانتو عارفين اربعة منهم" كما قال . 

مولانا ليس حالة مصرية خالصة، اذ تمت معالجتها سينمائيا من خلال فيلم المخرج الايراني كمال تبريزي " السحلية " الذي اثار جدلا كبيرا في ايران، ومنع لفترة طويلة،  بل ان مثل هذا الشيخ وغيره موجودون  في كل البلاد الاسلامية،، ولا يقتصر مذهب او ملة ما عليهم ، فهم تارة وعاظ سلاطين، وتارة اخرى دعاة دين، يتاجرون فيه و يحللون ويحرمون حسب اهوائهم، بل ان بعضهم لعب دورا اخطر من هذا، اذا اصبح داعية للعنف، ولاقتتال المسلمين فيما بينهم، من خلال تكفير هذا المذهب او ذلك الدين، مساهما في وضع مناهج دراسية في ذلك .

 

 

واحدة من مهام السينما هي التصدي للحالات والافكار والظواهر التي يمكن ان تدمر اجيالا كاملة، وان تهدم امن بلد وتساهم في تراجعه، لذلك يأتي فيلم مولانا ليعالج هذه الظاهرة، ظاهرة الشيخ الانتهازي وتأثيره على المجتمع، وان اظهره في اخر الفيلم نادما، يصرح عن حقيقة ما في داخله، لاعنا الإعلام كونه سبب كل المصائب. 

المفارقة انه وفي صباح اليوم الثاني لعرض الفيلم في مهرجان دبي السينمائي، حصل تفجير في كنيسة العباسية في القاهرة، وكأن الفيلم قد تنبأ بما قد يحصل بسبب التطرف الديني.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى