نقد

«نادي نِفطة لِكرة القدم» الانتصار دون صراع

 

نوار عكاشه

 

كيف تبتكر إسقاطاً فنياً لِنظام عالمي على بُقعة جغرافية نائية قليلة السكان في فيلمك القصير، دون استعراضات حكائية أو صخب أحداث، إنّه "العمق بِمُنتهى البساطة" هو التوصيف الأبلغ والتقييم الأفضل للفيلم الروائي القصير «نادي نفطة لِكرة القدم» (2018، 17د)، وكأن مخرجه الفرنسي «إيف بيات» (1976) يتقصد بِكل شفافية إعطاء درس لكل صانع أفلام كيف يُمكن للفيلم القصير تجسيد سحر السينما بِحق.

 

الشرط الرئيسي لِفرداة فيلم قصير هو انتقاء فكرة مناسبة لِمشروع شريط مدته قصيرة، فكرة بِمعالجة تستكفي بِالمدة تماماً، تصيب الهدف بالصميم بِأفضل تكنيك سردي في زمن قصير، إذاً تحتاج لِحبكة مُبتكرة قوتها من قوة فكرتك.

 

لم يَنجح «نادي كرة القدم بِنفطة» بِذاك التحدي فقط، بل أغرقنا بالأفكار بِمزيج درامي وكوميدي، حتى يحتار المُشاهد أَيُ الأفكار كانت الأقرب لِرغبة المخرج بالوصول!

 

نجزم أنّها انتصار القدر للحياة، فَالشريط يقوم على قصة افتراضية تنتهي بِسقوط المُخدرات تحت أقدام أطفال ينبضون بِالحيوية والفرح في ملعبهم البسيط.

 

معالجة تلك الفكرة تمّت بِبساطة مُدججة بِالعمق عبر معالجات متجاورة ومتناسقة بِوحدة مُلتحمة مع الشخصيات كُلياً، وببساطة ابتعدت تماماً عن التيمات التقليدية في أفلام صراع الخير والشر، انتصرت للبراءة وهزمت الحيلة دون صراع مباشر، إنّما بِلعبة القدر.

 

يضعنا الشريط منذ افتتاحيته في منطقة "نفطة" التونسية على الحدود الجزائرية، نُطالع رجلين يبدو أنّهما قد أضاعا شيئاً في منطقة صحراوية مُقفرة، ثمّ نتتبع مسير دراجة تحمل طفلين عبر طريق حدودي يتعاندان بِمن هو أفضل مُهاجم بالعالم، ننتقل لِأطفال يلعبون كرة القدم في أرض فارغة اتخذوهاً ملعباً لهم وخلاف حاصل على الزاوية سببه عدم وجود حدود مرسومة للملعب.

 

هكذا أسس الشريط لِمكانه بِصورية بسيطة دون تكلف معلوماتي وأعطى إشارة لِمشكلة الملعب والتي سنكتشف لاحقاً أنّ حلّها مقصد قصته.

 

قبل أن ينطلق بِأحداثه؛ يُعرفنا الفيلم بِطبائع شخصياته بِما يهم حكايته منها، يتخذ مبدأ (الثنائية) والتضاد للتعريف، وهو الأنفع في صنف الفيلم القصير.

لدينا طفلان وشابان، ثنائية الأطفال هي "محمد" أداء: الطيف الضاوي، و"عبد الله" أداء: محمد علي العياري، نرى الأكبر يبتز شقيقه ويدخن ويميز المخدرات جيداً، بينما الأصغر بريء وصادق ويظن المخدرات مسحوق غسيل يخاف أن يعاقبهما والده على أخذه.

 

تتشابه ثنائية الشابان مع الأولى ولكن مع فرق بالأعمار، لدينا "سليم" أداء: الياس سالم، الذي نكتشف أنّه مُهرب مخدرات على الحدود، نزق وعملي ومتسلط، يرافقه "علي" أداء: هشام مصباح، الساذج والبسيط الذي لا يُقدِر هول المشكلة الواقعة بل جُل ما يخشاه هو تفويته حضور مباراة كروية.

 

هذه الفوارق الطبائعية في كلا الثنائيتين لا تكتفي بتعريفنا بِالشخصيات، بل تُحدد معالم زمان الفيلم، تأخذنا لِصفات العصر الحالي دون تحديد تاريخ محدد في الشريط، فَتتطرق بِإسقاط خفي لِأنموذجين بشريين متضادين سائدين في عالم اليوم.

 

إذاً نحن أمام قطبان، سالب مُتأثر بِسمات العصر الحالي من حلول سهلة ومواربات وأطماع أنانية، بدا واضحاً في أفعال "محمد" و"سليم" المتأثرين بِإرهاصات العولمة والثقافات الأجنبية، "محمد" يعتبر مُهاجماً أجنبياً هو الأفضل بالعالم بينما "عبد الله" يُشجِع مُهاجماً عربياً، "سليم" يستعمل أغنية للفنانة العالمية «أديل» كَشيفرة في عملية تهريب فشلت لِظن "علي" أنّه قصد فنان شعبي محلي يُدعى «عادل» مُخرباً العملية بِظنّه هذا.

 

بالمقابل هناك القطب الموجب الموسوم بِبراءة طفل وسذاجة شاب، يبدو ضعيفاً، لكنه القطب الحيوي والممثل للحياة السليمة، المُحبّ للرياضة وموسيقا الوطن وهناءة العيش بِسلام.

 

في الشريط ميزة من نوع خاص، هي توظيف عنصر غير بشري في حبكة الفيلم، فَالمحرك الرئيسي للأحداث هو "الحمار" الذي تتمّ بِوساطته عملية التهريب، عنصر يبدو حيادي للوهلة الأولى، لكنه بِتوهانه وشروده في القفار صار الحكاية التي شاهدناها في الفيلم، لذا تتوجب الإشادة بِذاك التوظيف الذي تبناه "بيات" كاسراً بِهِ نمطية ربط الحبكة بِشخصيات بشرية، مقدماً بِذلك مثالاً على خيال إخراجي يُكرِس مواداً موجودة أمامنا بِانتظار من يكتشف استعمالاً نافعاً لها في المعالجات الفيلمية.

 

إحدى أهم ميزات هذا الفيلم هي إعطاء حيوية مشهدية بصرية، إنّه المصور السينمائي «فالنتين فينيت» الذي لعب مع الظلال والشمس بِطريقة جذابة وأحسن التقاط الشخصيات في المساحات الشاسعة، جميلة جداً تلك اللقطة لِعبدالله وهو يسحب حقيبة المخدرات نحو الملعب بابتسامة البراءة المنتصرة.

أيضاً أجاد «جيروم بريا» توليف الشريط بِتركيبة أعطت طاقة وجاذبية محببة.

 

يُنهي "بيات" فيلمه بِنهاية تنتصر للحياة، ليست سعيدة للجميع، إنما فقط لِمن يسعى للعيش بِسلام ويكتسب سعادته من سعادة من حوله، النهاية مع لقطة علوية تنطلق من ملعب يتراكض بِه الأطفال فرحين بعد أن رسموا حدوده وصار أشبه بالملعب الحقيقي، وتتوسع اللقطة عمودياً كاشفةً توسع المكان، وكأنها دلالة على أمل انتشار الفرح وتوسع الخير، مع صوت من خارج المكان لِمُعلِق رياضي على مباراة كروية، فَمن يدري؟ قد يأخذ المستقبل أطفال «نادي نفطة لِكرة القدم» نحو ملاعب احترافية يُحققون بِها النجاح، كما أخذ الفيلم فريق عمله إلى أهم المهرجانات السينمائية الدولية، حصدوا منها أكثر من 65 جائزة، وترشح للأوسكار عن فئة أفضل فيلم قصير.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى