نقد

نرجس النجار تُكمل ثلاثيتها النسوية في “بلا وطن”

عبد الكريم واكريم 

بفيلمها الروائي الطويل الرابع "بلا وطن" (أباتريد) 2017 ، تكون نرجس النجار قد سارت في نفس النهج الذي كانت قد ابتدأته بفيلمَيها "عيون جافة"(2003) و"عاشقة من الريف" (2011) ، إذ أن  الشخوص النسوية بهاته الأفلام الثلاثة تتشابه كثيرا، وعوالمها الحميمية تتقاطع رغم أن الفضاءات التي تجري فيها الأحداث متباينة ومختلفة.

ففي فيلمها الروائي الطويل الأول "عيون جافة" اختارت نرجس النجار تناول قضية الدعارة في منطقة نائية من مناطق المغرب، حيث تضطر النساء تحت ضغط الفاقة والحاجة وقلة ذات اليد لبيع أجسادهن مُحافِظات رغم ذلك على أنَفَتِهِن وكبريائهن، وهو فيلم نساء لا يخدش عالمهن سوى رجل يأتي ليُزعزع استقرار وانسجام هذا العالم المنغلق على نفسه والمفتوح في نفس الآن بأجساده الأنثوية على ذكورية لا تعترف بالمرأة سوى كأداة لتفريغ كبتها. الرجل الذي سيتماهى مع هذا المجتمع الأنثوي المُصغَّر بالتدريج، لِيَرتَدِي في آخر لحظات الفيلم لباس المرأة ويتقمص روحها كي تَقبَله واحدة من تلك النساء حبيبا لها، تلك التي فعل كل ذلك من أجلها ورغبة في نيل حبها.

في "عاشقة من الريف" تنتقل نرجس النجار من الجبال  النائية للأطلس المتوسط حيث دارت أحداث فيلمها الأول لمُقَدِّمة جبال الريف بشفشاون، مُصِرَّة على الاستمرار في  تَبنِّي هموم وقضايا المرأة في الهامش وفي التُّخُومِ المحسوبة على "المغرب غير النافع"، وهنا نجد شابة في مقتبل العمر تقع لأول مرة في حياتها في حُب تاجر مخدرات بعد أن يبيعها أخوها له، لكن هذا الشخص بالمقابل لم يكن يريد منها سوى جسدها فقط وكلما قضى وطره منها لفضها لتعود إليه كل مرة حتى يصل بها الأمر للسجن، لتُقرر في الأخير الانتحار إثر آخر لحظة عشق ساخن تجمعها معه، لتُقبِر هذا الحب المستحيل إلى الأبد.

أما في فيلمها الأخير "بلا وطن"، وانطلاقا من أحداث وقعت بالفعل سنة 1975 ، حينما تم طرد مغاربة من الجزائر بعد تأزُّم العلاقات بين البلدين بسبب قضية الصحراء المتنازع عليها، تذهب المخرجة بفيلمها في اتِّجاه آخر مُرَكِّزة بؤرة كاميرتها على  شخصية فتاة كانت من بين هؤلاء المُهجَّرين وهي مازالت طفلة لتظل كل أمنيتها هي العودة للجزائر للقاء أمها الجزائرية التي بَقِيَت هناك فيما تم ترحيلها صحبة أبيها المغربي.

وتعود نرجس النجار في فيلمها هذا لتُبدي مرة أخرى تعاطفها الكامل مع شخصيتها النسوية الرئيسية  التي تتعرض للاستغلال في كل مراحل حياتها، وهي طفلة مازالت في الثانية عشرة من عمرها حيث يتم تزويجها لرجل في عمر والدها، ثم لتُغتصب بعد ذلك من طرف آخر، ولتُزَوَّجَ مرة أخرى بشيخ تتقزز منه، فيما ابنه الذي أحبته يتركها ويتزوج بأجنبية.

الشخوص الرجالية في أفلام نرجس النجار مليئة بالعقد النفسية وبئيسة وسلبية وكل همها هو استغلال المرأة جنسيا متى ما استطاعت إلى ذلك سبيلا، فحتى الشيخ الذي لم يَعُد يقدر فعل أي شيء، يريدها ولو فقط ليتَلَمَّسَها ولتُذكِّره بزوجته المتوفاة التي كانت تُلبِّي له كل طلباته. هي شخوص خالية من العاطفة والحب، قريبة من كونها ذات نزعات بهيمية وحيوانية، تلك فقط التي تقودها للأنثى.

فحبيب "هانية" بطلة "بلا وطن" سِلبِي للغاية ولا يقوم بأي فعل إيجابي لصالحها، وحينما يعلم أن أباه سيتزوجها بغير رضاها يهرب عائدا إلى فرنسا حيث حضن زوجته الفرنسية ينتظره بعد أن مارس مع "هانية" الجنس ببهيمية. 

وهو يشبه كثيرا شخصية "البزناز" تاجر المخدرات الذي تحبه الشابة "آية" الشخصية الرئيسية في فيلم "عاشقة من الريف"، في كونه كثير الصمت قليل الكلام، ولا يُعبِّر سوى في لحظات الحب الجسدي وبشكل عنيف. إذ أن هنالك مشهدين جد متشابهين في الفيلمين، وهما حينما ستمارس البطلتان الشابتان الجنس مع من تُحبَّانه، بحيث تَعمَّدت المخرجة أن تظهره لنا وكأنه جنس حيواني خال من أية عاطفة إنسانية ويحكمه العنف، وينتهي كما بدأ سريعا. 

وبالمقابل فالنساء في عوالم نرجس النجار يتضامَنَّ مع بعضهن البعض ويتحاببن خصوصا في غياب الرجال وعدم وجودهم، فما أن يحضر هؤلاء حتى يُكسِّروا الهدوء والهناء الذي يسود عالمهن ، وكأن نرجس النجار تتنبأ في أفلامها بعالم تسوده النساء ولا رجال فيه على الإطلاق.

تلتصق الكاميرا في فيلم "بلا وطن" بالشخصية الرئيسية "هانية" التي تَتَبَنَّى المخرجة قَضِيَّتها وتنتصر لمعاناتها، والتي يظهر وجهها وجسدها في مقدمة الإطار في أغلب المشاهد واللقطات واضحا وحاضرا ومسيطرا بقوة رغم هشاشتها وصمتها الضاج بالكلام الغير المنطوق والمعبر عنه، فيما الشخوص المرافقة لها تبدو في الخلفية بشكل ضبابي أغلب الأحيان في  المشاهد التي تجمعها بها.
تُصِر نرجس النجار أن تختار ممثلا رئيسيا يؤدي دور حبيب شخصِيَّتَيها النسويتين في كل من "بلا وطن" وعاشقة من الريف" غير متمكن من اللهجة الدارجة المغربية وفي الفيلمين يبدو هذا الاختيار وكأنه النشاز الوحيد في كل "الكاستينغ"، إذ بالمقابل لا يمكن سوى التصفيق لنرجس في اختيارها لممثلاتها خصوصا تلك اللواتي يؤدِّين الأدوار الرئيسية، ابتداء من سهام أسيف في "العيون الجافة" مرورا بنادية كوندا في "عاشقة من الريف" وصولا إلى غالية بن الزاوية في "بلا وطن". وهنا يمكن طرح سؤال : هل المخرجة تتعمد انتقاء ممثلين رجال في أدوار رئيسية بإمكانهم إيصال هذا النفور من الشخصيات التي يُؤَدُّونها للمشاهدين، دافعة باختياراتها للراديكالية في هذا الجانب؟ أم هو فقط خلل في اختيار الممثل المناسب للدور المناسب؟

تختار نرجس النجار في أفلامها ألوانا فاقعة في الملابس والأثواب يطغَى عليها اللون الأحمر المُعبِّر عن الرغبة والإثارة الجنسية والعنف معا، والذي يُمهِّدنا نفسيا كمشاهدين للوصول إلى النهايات الدرامية والمأساوية التي تختارها لبطلاتها المهزومات، فهانية التي لا نراها تهنأ أبدا طوال لحظات الفيلم تنتهي تحت الماء والرصاص يُلَعلِع من فوقها في نهاية مفتوحة بفيلم "بلا وطن"، و"آية" تُقرِّر مصيرها المأساوي بيدها منتحرة في سيارتها الحمراء الفاقعة بعد ممارستها الجنس مع حبيبها على متنها، فيما يجعل الحب المفاجئ بطلة فيلم "العيون الجافة" تتنازل عن عالمها لتَتَّجه للمجهول الغير مضمون العواقب.

إذا كان خطاب نرجس النجار الراديكالي المبثوث في أفلامها النسوية سيجد من يختلف معه، فإن عالمها البَصَرِي الذي تُأثِّثُ فيه ديكوراتها وألوانها لتضع شخوصها فيه يستحق أن يكون واحدا من بين أهم العوالم السينمائية في السينما المغربية الشابة. 

لنرجس النجار مرجعيات "سينفيلية"، ففي "بلا وطن" لا يمكن لنا أن نمنع أنفسنا ونحن نَتَتَبَّع مشهد الجنود المغاربة والجزائريين على الحدود المُغلقة بين البلدين وهم يحتسون البيرة ويمرحون سَوِيَّة في حُب ومودَّة،  لاعنين الحدود التي تفصلهم( وهي اللحظة الوحيدة التي تُقرِّرُ فيها المخرجة الاحتفاء بشخوصها الذكورية) من تذكر فيلم المخرج الكوري بارك شان ووك "منطقة أمنية مشتركة" حيث يخلق جنود حدود الكوريتين من منطقة الحدود المشتركة مجالا للتواصل المفقود بين البلدين، أو ونحن نتابع "هانية" في لحظات انطلاقها من استرجاع عوالم ريدلي سكون خصوصا في "غلادياتور" (المصارع) والبطل يُمرِّر بيديه على سنبلات القمح كما ستفعل هانية تماما في لحظة من اللحظات القليلة الهانئة.

خلاصة القول إن نرجس النجار استطاعت من خلال أفلامها الثلاثة هاته أن تنسج عالما خاصا بها وتضع بصمتها السينمائية، إذ قد نتفق مع ما تُمرِّره من أفكار وخطابات أوقد نختلف معها، وقد يُحب البعض أفلامها أو لا يحبها، لكنها ستظل اسما لا محيد عنه في السينما المغربية وصوتا من بين الأصوات الشابة التي جَدَّدَت في السينما المغربية والتي مازال لديها الكثير والمختلف عن السائد لتفاجأنا به في أفلامها القادمة.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى