رأي

نور الشريف..شبق الفن الذي لا يرتوي 

*أمير رمسيس

منذ أن وصل نور الشريف في شبابه لمرحلة فتى الشاشة الأول.. لم يرتح أو يسكن أبداً لأن يكون الفتى الوسيم الذي يختاره المنتجين لحب الجماهير له في أدوارا نمطية يفرضها السوق.. بل كان دائماً ما يبحث عن الجديد والجريء حتى وإن تحدى النمط السائد.

لم يكن يحتاج لأن ينتج أفلامه من بطولته، وهو البطل الذي لا يرضى عنه المنتجين بديلاً أيا كان موهبته أمام سعاد حسني في "الكرنك" باعتباره ورقة رابحة جماهيرياً أو وهو يتنقل بين الأفلام الرومانسية والكوميدية الخفيفة والأكشن أحيانا ليتقبله الجمهور فيها كلها.

كان احتياجه الإنتاجي ينبع من البحث عن الجديد الذي يجعله يتبنى الأفلام الأولى لسمير سيف "دائرة الانتقام " الذي يقدم شكل بصري جديد لفيلم الآكشن يؤمن به نور ويغامر في تقديمه للشاشة.. أو فيلماً حداثيا لمخرج أتى بشكل جديد غير مطروق كمحمد خان في "ضربة شمس".

 

وأن يرافق طريق مهرج مثير للجدل كعاطف الطيب في عدد كبير من أفلامه مؤمناً بأن تلك الأفلام هي الباقية أو أن يغامر ببطولة الفيلمين الأوائل للمخرج الكبير داوود عبد السيد بما يحمله من تجريب في السرد السينمائي خاصة في فيلمه الثاني البحث عن سيد مرزوق.. كما لو كان احتياج نور الشريف أكبر من أن يتواجد بل هو احتياج لأن "يفعل " وفاعلاً كان بالفعل.

ندر أن نجد في السينما المصرية فناناً يتنقل بين كوميديا "شحاتة أبوكف" في "غريب في بيتي"، وعنف "جابر" في "دائرة الانتقام"، ووجودية "يوسف" في "البحث عن سيد مرزوق"، أو انكسار البطل الكلاسيكي "حسن" في "سواق الأوتوبيس".

تلك الأريحية التي كان يتنقل فيها بين الأنواع السينمائية، ليمثل دائماً بمنطق النوع السينمائي الذي يجرب فيه، لا بمنطق نور الشريف الشخصي، كانت شهادة على أننا أمام ممثل موهوب بمعنى الكلمة، حتى وإن اعتاد المخرجين والمنتجين والنقاد على أن ينظروا على إنه "صنايعي أداء" شديد المهارة.

ولكن ذلك التنوع أكبر شاهد على كم التبسيط في تلك الرؤية التي ربما كان منبعها هي أن نور الشريف فعلاً بالإضافة للموهبة كان ممثل يهتم بالتقنية وبالتفاصيل المفكر فيها بعناية بشدة وبشكل علمي. 

ومن تجربتنا في العمل سويا رأيت بنفسي كيف يحتفظ على السيناريو الخاص به بمئات الملحوظات الصغيرة حول كل جملة حوار أو وصف بقلم رصاص حتى يناقشها مع المخرج فيحتفظ بها أو يمحوها.. من طريقة الكلام وحتى ملابس الشخصية ومقاسها (في فيلم بتوقيت القاهرة استقبلني بحماس عند باب منزله في يوم وقبل حتى التحية بادرني بجملة: "يحيى مع مرضه اكيد ما بقاش بيهتم بالأكل ووزنه نقص.. ايه رأيك يبقى لبسه أوسع منه؟" وآمنت بعبقرية الفكرة التي ربما لم تكن لتطرأ على ذهني أو ذهن مصمم الملابس). 

ربما كان كذلك تصديه للأدوار التي لن يجرؤ غيره على تقديمها دليلاً على هذا الشبق الداخلي لتغيير جلده "السراب" أو "قطة على سطح صفيح ساخن" والذي فاق في جرأة نسخة المصرية النسخة الأمريكية من المسرحية.

أعجز عن تخيل ممثلاً آخر يقبل بتلك المخاطرات التي قد تكلفه حب الجمهور ولكن نور كان يؤمن بأن الجمهور أذكى من ذلك، وحتى حين قام بالتصدي لدور ناجي العلي، غير مبالي بالحملة التي أقامها عليه المزايدين من دعاة الوطنية وأبواق الدعاية وطبالين الدولة في وقتها. 

كان شبق الدور لديه أعلى من أن يفكر بحسابات السوق، ودعاوي المقاطعة والتخوين التي ذبحت الفيلم وذبحته شخصياً هو وعاطف الطيب، لكن الزمن بلا شك انتصر له، فلم يعد أحد يذكر من ابتزوا المشاعر الوطنية المجانية وهاجموه، بينما بقي الدور، وبقي الفيلم، وبقيت ذكرى عاطف الطيب وناجي العلي، وذهب هؤلاء الى عالم النسيان. 

لا أظن أن هناك ممثل في مصر وصل لتلك النجومية وأصبح له رصيد في شباك التذاكر ومع الجمهور على شاشة التليفزيون، يغامر بتشتيت تركيزه ووقته ليخرج مسرحية على مسرح الهناجر تغلب عليها سمة التجريب، كما فعل في "محاكمة الكاهن" أو في "يا مسافر وحدك"، أو ليغامر بأن يخرج فيلماً سينمائيا كما فعل في "العاشقان"، الا إذا كان محركه هو الشبق والعشق للفعل الفني وليس حسابات الجمهور والسوق. 

*أمير رمسيس: مخرج مصري والمدير الفني لمهرجان الجونة السينمائي

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى