رأي

هكذا تراهن تونس على الكتاب ومدنه 

سيماء المزوغي 

لا يمكن أن نتحدّث مثلا عن "الثورة الثقافية" في بعدها الثقافي فقط ونهمل الجانب الاجتماعي والاقتصادي وخاصة الإنساني، ولا ننسى أنّ هذه الجوانب مرتبطة أساسا بالبعدين السياسي والوجودي، فالثورة التي لا تكن لها صلة بعلاقة الإنسان بمحيطه ومجتمعه ولا تجذّر قيم الحرية لا تسمى ثورة أصلا.

كما لا يمكن أن نتحدّث عن تأسيس لمضامين ثقافية وفكرية، إلا عندما يكون هذا التأسيس راسخا في عقيدة الدولة بأكملها وقناعة الأفراد.
مضامين تتبلور أفقيا وتُزكى عموديا، ولا بدّ أن تُزكى ثقافة الحياة، ولا نقصد بهذه التزكية ثقافة الدولة، لأنّ زمنها ولى وانتهى، إنما نقصد إيمان الدولة بمشروع ثقافي تنموي لا تحيد عنه.. تتبنى هذا المشروع وتدافع عنه، وتعلم أنها تدافع في آن عن قيم المواطنة والحرية بلا قيد أو شرط.
سنتناول في هذه السلسة من المقالات مختلف تفرعات القطاعات الثقافية في تونس اليوم، ولعلّ أبرز هذه القطاعات، هو الكتاب، باعتباره عمودا من أعمدة بناء الإنسان ونحت شخصيته ومواطنته أيضا.

عديدة هي الأسئلة المحيطة بقطاع الكتاب، وعديدة هي الأجوبة عليها، لكن لا أجوبة شافية إذا لم تقترن بالأرقام من حيث المضامين والتداول والانتشار.

فهل يمكن أن نتحدّث اليوم عن تنمية قطاع النشر في تونس كمحرك من محركات اقتصاد الثقافة؟  وهل يمكن أن نتحدّث اليوم أيضا عن ترسيخ المطالعة كممارسة ثقافية في المجتمع التونسي؟

تراهن وزارة الشؤون الثقافية التونسية على الكتاب من خلال برنامج "مدن الآداب والكتاب"، برنامج لا يمسّ الكاتب والناشر فقط إنما يتجاوز ذلك إلى اعتبار المطالعة كفعل مواطني وإنساني ومجتمعي.

فعلى مستوى الأنشطة، لم تحتكر المؤسسات الثقافية العمومية الفعل الثقافي، بل كانت الفضاءات الثقافية الخاصة محلّ تنافس وتكامل، عكس ذلك المبادرات الجمعياتية والفردية التي تسندها الدولة، من خلال عديد آليات الإسناد والدعم لعلّ أهمها صندوق التشجيع على الإبداع الأدبي والفني، وهو آلية من آليات وزارة الشؤون الثقافية التونسية لدعم وإسناد مختلف المشاريع والمبادرات الثقافية الخاصة. ففي سنة 2018 بلغت هذه التظاهرات أكثر من 7811 تظاهرة توزّعت على كامل تراب الجمهورية التونسية، في حين بلغت في السنة التي قبلها أكثر من 5607 تظاهرة.

أما على مستوى الدعم المالي فقد بلغت قيمة الإسناد لهذه التظاهرات بما فيها اقتناء الكتب بـ 7 073 606  دينارا تونسيا، وهو رقم ضخم يعكس مراهنة تونس على الكتاب، ولا ننسى هنا القرار الذي أعلن عنه رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد غداة افتتاح معرض تونس الدولي للكتاب في دورته 33 والقاضي بمضاعفة ميزانيّة اقتناء الكتاب الثقافي التونسي بعنوان سنة 2017 الذي مكّن من زّيادة عدد النّسخ المقتناة وما خوّل أيضا  تعزيز الرّصيد المكتبي للمكتبات العموميّة المقدّر حاليّا بـأكثر من 8 ملايين كتاب والوصول إلى المعدّل العالمي كتاب لكلّ مواطن وهذا هو المعدل الذي تعتمده منظمة اليونسكو.

قرار دفع حركة الإبداع والنّشر من خلال اقتناء كمّيات محترمة من الإصدارات الجيّدة، وأسند مؤسّسات النّشر والمؤلّفين النّاشرين للحساب الخاصّ إلى جانب مؤسّسات النّشر الخاصّة ما يخوّل ديمومتها واستمراريّتها في محيط تنافسي واقتصادي دقيق. ولا ننسى أنه إلى حدود سنة 2015، كانت ميزانيّة اقتناءات وزارة الشّؤون الثّقافيّة التونسية الموجّهة للكتاب تقدّر بمليار و300 ألف دينار وتمكّن من اقتناء قرابة 1000 عنوان بمعدّل 100 نسخة لكلّ عنوان.

"تونس مدن الآداب والكتاب" يهدف بالأساس إلى إعادة الاعتبار للكتاب باعتباره "العنوان الامثل للنهوض الثقافي"، واستحثاث حركة الكتابة والنشر وتنويع مضامين الإصدارات المكتوبة، وتنمية قطاع النشر كمحرك من محركات اقتصاد الثقافة.

ولاحظ انه تم تجسيد هذه الاهداف من خلال تكريس مدن الكتاب والآداب وديمومة الأنشطة الثقافية وتكثيف الأنشطة النوعية ذات العلاقة بالقراءة والمطالعة والعمل على تحسين المعدل الوطني للمطالعة ودعم برنامج الترغيب في المطالعة العمومية في إطار تجسيد ثقافة القرب.

لم تكتف تونس بمعرضها الدولي للكتاب الذي يقام كل ربيع، ولم تكتف ببرنامجها "تونس مدن الآداب والكتاب"، بل شهد شهر أكتوبر- تشرين الأول من السنة الماضية افتتاح فعاليات الدورة الأولى والتأسيسية للمعرض الوطني للكتاب التونسي، الذي كان بإشراف رئيس الحكومة يوسف الشاهد،  معرض شهد 45 ألف عنوان توزعوا بين البهو الرئيسي والرواق السفلي لمدينة الثقافة التونسية، هذا الصرح الضخم الذي ساهم في تغيير مشهد الثقافة في تونس،  حيث اعتبر الدكتور محمد زين العابدين وزير الشؤون الثقافية التونسية أنّ  هذا المعرض يعتبر "لحظة مهمة أن نحتفي بالآداب والكتاب والنشر والفكر التونسي، ففي ذلك تثمين للمدونة التونسية والعمل على إيصالها إلى الخارج" مؤكدا أنّ المعرض الوطني للكتاب التونسي يجسد الشراكة المهمة والفاعلة بين الوزارة والمجتمع المدني، شراكة أنتجت هذا الحدث المهم يجب أن تتواصل ولابد من توسيع التجربة في الجهات".

مواصلة للمعرض الوطني للكتاب التونسي وصفه محمد صالح معالج رئيس اتحاد الناشرين التونسيين بالحدث الثقافي الكبير الذي يحتفي بالكتاب التونسي بعيدا عن المنافسة المشرقية والأجنبية واعتبر صلاح الدين الحمادي رئيس اتحاد الكتاب التونسيين أن المعرض الوطني للكتاب التونسي هو مناسبة ليقول الكتاب التونسي "أنا هنا" ويرفع عنه القليل من "الغبن" مقارنة بالقطاعات الثقافية الأخرى.

سياسة الكتاب في تونس من شأنها أن تدفع حركة التوزيع والنشر، وتقرّب الكتاب للمواطن طفلا وشابا وكهلا.. لا سيما وأنّ هذه السياسة تسعى لتجاوز المحلي لتنفتح عن العالم، بـ"دبلوماسية الكتاب" من خلال مشاركة تونس في المعارض العالمية ومن خلال تألّق العديد من كتّابها أيضا.

لم نتناول في هذا المقال دور النوادي الثقافية في مختلف المؤسسات العمومية، ولم نسلّط الضوء على المبادرات الفردية المواطنية التي تسعى لمصالحة المواطن مع الكتاب وجعله ممارسة يومية حياتية، كما لم نتحدّث عن زرع المكتبات في المؤسسات السجنية ومراكز التأهيل الاجتماعي.

لا أحد ينكر اليوم أن تونس قطعت العديد من الأشواط كي يُعلى شأن الكتاب، من خلال مرحلة تأسيسية جديدة تراهن على الفعل الثقافي باعتباره أهم وأنجع وسيلة لبناء الإنسان.
 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى