نقد

يوسف شريف رزق الله.. رائد الثقافة السينمائية المرئية

رامي المتولي

أسماء عديدة رسمت مسار نشر الثقافة السينمائية في مصر، وجيل جديد من بعدهم دعم ووسع دائرة الانتشار ولم يتوقف ولن يتوقف خاصة أنه مستمر ولا يتأثر بحجم ونوعية الإنتاج المصري، دائمًا ما يشبع محبو ومهاويس السينما احتياجهم للمشاهدة والتعرف على الجديد، قبل الإنترنت كانت المراكز الثقافية الأجنبية التي تعرض إنتاج الدول الأخرى السينمائي مع الأفلام التي تجد طريقها للعرض العام.. وقتها كان التوثيق كتابة وانتشار الثقافة السينمائية أيضًا مكتوبًا، ومعرفة لغة أخرى يوسع المدارك أكثر ويفتح بابًا اضافيًا لتلقى هذا النوع من الفن الذي يتطلب ذائقة خاصة وثقافة متنوعة.

معظم النقاد ونشطاء نشر الثقافة السينمائية في مصر الستينيات كانوا يعتمدون على وسيط الكتابة والنقاشات التي كانت تلى عروض الأفلام في الجمعيات التي أنشئت على أيديهم خصيصًا لهذا الغرض، من وسط عشرات الأسماء اللامعة يظهر الرجل صاحب التأثير الأكبر على مراهقي وشباب سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، الرجل الذي يعرفه الجميع باسمه الثلاثي "يوسف شريف رزق الله" صاحب الملامح الجادة الصارمة وفي الوقت ذاته أعذب ابتسامة يمكن رؤيتها على وجه بشرى، يوسف هو أحد من تربوا على حب السينما وتحول لواحد من أهم اعمدة نشرة الثقافة السينمائية في مصر مع التطور الهائل الذي نقل مستوى الاهتمام لأضعاف.

أهمية يوسف شريف رزق الله تكمن في كونه استخدم التليفزيون كأداة رئيسية في نشر الثقافة السينمائية، لم يكتفي بمجرد عمله ولكن شغفه دفعه للمشاركة في عدة تجارب فعليًا شكلت ذائقة ملايين يعيشون الآن في مصر، ولا يوجد واحد من مواليد أواخر سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي من المهتمين بالسينما أو يعملون في مجالاتها الرئيسية أو المجالات المحيطة بها كالصحافة والنقد إلا ويعرف يوسف شريف رزق الله بشكل مباشر والبعض -وهم عدد كبير- قد عمل بهذا المجال تأثرًا به بشكل أو بآخر. 

الملايين يتذكرون إطلالة الاستاذ يوم الجمعة للتعريف بالأفلام المعروضة على شاشة التليفزيون المصري خلال أسبوع، وله تأثير آخر كمعد لبرامج سينمائية متخصصة واختيار ضيوفها إلى جانب مشاركته الفاعلة في تأسيس ودعم جمعيات الثقافة السينمائية في مصر، كيف تكونت ذائقة هذا الناقد والناشط الثقافي المتفرد وهو ما ستجيب عليه السطور القادمة.

البداية.. الشغف بالسينما
علاقة يوسف شريف رزق الله بالسينما نموذجية جدًا ومتطورة على خطوات ثابتة، مثله مثل العديد من المصريين الذين يعتبرون الذهاب للسينما طقس، يبدأ احتكاكهم به منذ فترة مبكرة، ربما هذه العادة تأثرت بالظروف المحيطة وأصبحت تمارس بشكل أقل على مدار العام ولكن يظل وقت الأعياد والإجازات هو الوقت المقرر للذهاب إلى السينما، في زمن سابق وقبل دخول التليفزيون مصر كانت الوسيلة الوحيدة لمشاهدة الأفلام هو الذهاب إليها. 

بالنسبة ليوسف لم يكن لوالديه علاقه بالوسط السينمائي حيث كان والده يعمل كمترجم، لكنه وجد طريقه للسينما في طفولته المتأخرة وبداية فترة المراهقة من خلال دور عرض الدرجة الأولى والثانية في العباسية منطقة سكنه وقتها أو في وسط البلد التي كانت بدورها عامرة بدور السينما، في هذه الفترة المبكرة كان الأستاذ مبهورًا بالصورة المتحركة ولم يكن يدقق في تفاصيل وعناصر العمل الفني، حتى اكتشافه لوجود مطبوعات تكتب عن السينما جاء في مرحلة لاحقة لمرحلة ارتياد دور العرض.

مجلة "راديو موند" التي كانت تضم مراجعات صحفية إلى جانب مقالات نقدية ويحررها الناقد سمير نصري الذي صادقه رزق الله فيما بعد، هذه المجلة كانت السبب في اقتراب أكبر ما بين يوسف والسينما، بعد أن فاز في إحدى المسابقات التي كانت تنظمها المجلة وكانت الجائزة هي زيارة لأستوديو سينمائي وكانت المرة الأولى التي يحضر فيها تصوير فيلم والتقى هناك بـ لبنى عبد العزيز وصلاح أبوسيف أثناء تصوير فيلم "أنا حرة". 

في هذه الفترة كانت الأفلام الأوروبية تعرض بشكل متوازي مع الأفلام الأمريكية ولم يجد يوسف في التعرف على مخرجين أوروبيين وتكوين ثقافة سينمائية متنوعة على عكس الأجيال الذي أثر هو فيهم الذين احتكوا بالسينما الأمريكية كمكون أساسي ووحيد تقريبًا، ربما يكون هذا واحد من أهم الأسباب التي تجعل من يوسف من خلال منصبه كمدير فنى لمهرجان القاهرة السينمائي يحرص بشدة على التمثيل الجغرافي الدولي والقاري في الأفلام المعروضة من خلاله، ليعوض النقص في التنوع الذي يطلبه عادة محبى السينما.

في مطلع الستينيات انتهي يوسف من الدراسة الثانوية مع الرغبة في الدراسة بمعهد السينما، لكن ترتيبه الخامس على الجمهورية بين ناجحي الثانوية العامة جعل من والده يرفض فكرة دراسته في المعهد خاصة وأن المعهد كان حديث العهد ولم يكن شهد تخريج أولى دفعاته للوقوف على طبيعة عمل خريجيه، لذلك وجد والده أن الأفضل هو الدراسة في كلية معروفة هي الاقتصاد والعلوم السياسية ثم التوجه لمعهد السينما بعد ذلك إذا رغب في ذلك. 

وبعد انتهائه من دراسته تكلفه القوى العاملة بالعمل في الهيئة العامة للاستعلامات التابعة لوزارة الإعلام وقتها التي كانت تحمل اسم هيئة الإرشاد القومي عام 1967، ولتأهيل العاملين في الوزارة بقطاعاتها للعمل الإعلامي تمت دعوة الخريجين الجدد للدراسة مرة اخرى في معهد متخصص لتأهيلهم للعمل الإعلامي ولتفوق يوسف لفت اليه الانظار وسأله مدير المعهد عن مكان عمله ليخبره الأول برغبته في الانتقال للتليفزيون ويتصادف وجود زميلة أخرى تعمل بالتليفزيون وترغب في الانتقال للهيئة العامة للاستعلامات ليحدث التبادل ويدخل يوسف شريف رزق الله لمبنى ماسبيرو.

نشر الثقافة السينمائية منهج حياة
بالتزامن مع الدراسة التي قادت يوسف شريف رزق الله إلى التليفزيون، كان هناك نشاطه الذي تطور بشدة منذ أن كان مراهقًا، السعي الدائم لمعرفة تفاصيل أكثر والقراءة والمشاهدة قادته في البداية لجمعية الفيلم التي أسسها الراحل الكبير أحمد الحضري وكان يدفع اشتراك شهري ويشاهد مع أعضاء الجمعية أفلام بشكل أسبوعي ويشهد الندوات النقاشية التي كانت تعقد بعد عروض الأفلام. 

وانتقل مع العروض منذ أن كان مكانها "دار الشعب" وصولا لقاعة النيل، ومع بداية تكوين وتأسيس نادى القاهرة للفيلم كان يوسف موجودًا ايضًا، ومع مرور السنوات أصبح عضوًا في مجلس إدارة الجمعية والنادي، نشاط الجمعية كان مقصورًا على أعضائها، نادى القاهرة كان نشاطه أوسع ويعتمد على المراكز الثقافية الأجنبية في جلب الأفلام وعرضها على الأعضاء وكان الارتجال والتكاتف لنشر الثقافة السينمائية هو القاعدة العامة، حيث كانت الأفلام تعرض بدون ترجمة وأحد الأعضاء ممن يعرفون لغة الفيلم يتطوع بالترجمة للحضور، وكانت هناك نشرة نادى القاهرة للفيلم التي كانت تضم تتابع المشاهد الخاص بالفيلم المعروض ومقال عنه وعن أفلام اخرى معروضة على شاشات السينما، وترجمة لمقالات أجنبية أو موضوعات.

أي أن الجمعيات الأهلية التي كان يوسف من المحركين لأنشطتها كانت منارات تنتشر من خلالها الثقافة السينمائية وعروض الأفلام ومكان يشهد تجمع المهتمين بالسينما في كل الفروع ويتعرفوا على بعضهم البعض، ومن ثم التكاتف لنشر وعى أكبر بالسينما. 

نشاط يوسف لم يتوقف عند هذه المساحة فقط بل كتب في عدد من المطبوعات أبرزها مجلة صباح الخير بدعوة من الناقد رؤوف توفيق، إلى جانب عمل يوسف شريف في التليفزيون بقطاع الأخبار بحكم تخصصه ودراسته واللغة الأجنبية التي يجيدها في البداية كمحرر ثم مدير تحرير وصولا لرئيس تحرير، وفي السنوات التالية لنكسة 1967 كان التليفزيون المصري يعرض برنامج بعنوان "السينما والحرب" كان مخصصًا للتعبئة وتأهيل الشعب للحرب بعد انتصار أكتوبر لم يعد لهذا البرنامج اهمية وتطويره أصبح ضرورة.

هذا التطوير المطلوب كان البداية والانطلاق ليوسف شريف رزق الله ونقطة التحول في طريقة نشره للثقافة السينمائية، الناقد الكبير فصل تمامًا بين عمله وهوايته لدرجة انهما كانا يسيران على بشكل متوازي يحقق في كلاهما نجاحات وانتشار في وقت قصير وفي فترة شبابه، لذلك كان هو مستعدًا عندما التقى الخطان، فنشاطه في نشر الثقافة السينمائية الذي ترجمه من خلال الكتابة والعمل الخدمي في الجمعيات السينمائية وفر له شهرة ووضع اسمه بين الكتاب السينمائيين الأمر الذي جعل إدارة التليفزيون تلجأ اليه بعد ذيوع صيته ومعرفة أن أحد الموظفين له اهتمامات وخبرة سينمائية تؤهل خروج برنامج معنى بالسينما من خلاله.

طلب يوسف أن يأخذ وقته في الإعداد للبرنامج ومخاطبة الشركات الكبرى المسئولة عن الأفلام في محاولة للتعاون بعرض أفلامهم عبر شاشة التليفزيون وضغط ليختار هو الأفلام لا أن ترسل له الشركات الأفلام التي ترغب هي في إرسالها، وعندما تم مراده رأى أن التحضيرات الأولية انتهت ويجب الانتقال للمرحلة التالية وهي شكل البرنامج نفسه، الذي اختيرت لتقديمه خصيصًا درية شرف الدين والتي كانت تعمل بالإذاعة وشاركها هو التقديم لمدة أكثر من شهرين.

وبهذا الشكل خرج البرنامج الأهم "نادى السينما" الذي مثل نقلة حقيقة في تلقي فن السينما في مصر، حيث كان شكله واختيار أفلامه هو من تصميم يوسف نفسه، فكرة وجود متخصص يمهد لعرض الفيلم تحاوره المذيعة ثم عرض الفيلم ومن بعده التعليق على نقاطه الفنية وتوضيحها للجمهور كان لها أثر كبير في تشكيل وعى متابعي البرنامج الذي يحظى حتى الأن بشهرة واسعة على الرغم من السنوات التي تفصلنا عن عرضه. 

سهرة السبت مساءًا كانت ميعادا مقدسا، خاصة وأن المعظم ممن يعملون في الأعمال الحرة تحديدًا أجازتهم الاسبوعية هي الأحد، لذلك كان مساء السبت فرصة للجلوس أمام شاشة التليفزيون والاستمتاع بالفيلم وتذوقه، سنوات وأعد الاستاذ برنامج آخر بشكل مختلف هو "أوسكار" المعنى بالأفلام العالمية التي حظت بإشادة نقدية سواء كان طابعها تجارى أو فنى وحصدت جوائز من الأوسكار أو المهرجانات الكبرى في أوروبا، كان يكتب معلومات عن الأفلام وتلقيها على المشاهد مقدمة البرنامج سناء منصور، هذا البرنامج ظهر عام 1980 بعد إنشاء القناة الثانية والتي رغبت رئيستها في أن يكون لدى القناة برنامج مشابه لنادى السينما وخصص له سهرة الخميس. 

خاتمة
أغلب خطوات الناقد الكبير بعد ذلك هي معروفة ومنتشرة من برامج متعددة بأفكار تقدمية جدًا هادفه لتوثيق مسيرة صناع السينما المصرية والاطلاع على النشاطات السينمائية في الخارج، المميز هو استعداده الذهني للتعامل مع السينما في فترة كان المتاح فيها قليل ومحاولات الوصول للمعلومة يتطلب جهد كبير خلافًا للوقت الحالي الذي يمكن من خلال الإنترنت مثلا الوصول لمعلومات فيلم وما كُتب عنه بلغات متعددة والوصول للفيلم نفسه أيضًا ومشاهدته. 

لكن ما يجعل يوسف متفوقًا حتى على الجيل الحالي هو وصوله لنفس المعلومات وصناعة محتوى إعلامي جيد وجاذب ينتشر وتنتشر معه الثقافة السينمائية، مبادرته لتجنيب محبي السينما المشقة والتعرف على المهرجانات جعلته يسافر ليصنع تغطية تحترم عقل المشاهد تنقل له تفاصيل أي مهرجان دولي يقع اختياره عليه بحكم أهميته.

مشاركة يوسف بانورامية غطت جوانب متعددة ووصلت لعدد كبير من المهتمين بالسينما هواة ومحترفين وهذه المشاركة ما زالت مستمرة حتى الآن بحكم منصبه في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي أو علاقته بالمهرجانات الأخرى في مصر والعالم وحتى دعم عشرات الشباب من المتخصصين ودعوتهم للعمل في المهرجانات السينمائية ممن يرى هو فيهم مقومات تؤهل للعمل في المهرجانات المختارة، من كل هذه الجوانب يبدو يوسف شريف رزق الله شخص نادر سواء على مستوى حبه للسينما أو نشر ثقافتها أو العمل في مجالاتها إنسانيًا ومهنيا.

*من كاتلوج الدورة الثالثة لمهرجان شرم الشيخ للسينما الآسيوية*

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى