نقد

«ڨنسنت قبل الظهيرة» مواجهة عذبة بين الوجوب والتوقع

 

نوار عكاشه



تقتضي الشرطية الزمنية للفيلم القصير الدّقة والتناسب في انتقاء الفكرة الرئيسية بالدرجة الأولى، وبالتالي تفرض على صانع الفيلم شروطاً محددة في المعالجة تجعله ينحصر غالباً في فكرته.



البعض يذهب أبعد من ذلك، ويُحَمِل فيلمه أفكاراً وتكوينات بصرية يراها داعمة لِفكرته الرئيسية وهو أمر صحي ومشروع، لكن قلة من أولئك يستطيع تحقيق ربط متين لِشريطه، والغالبية تهوي بِأفلامها في مشكلة تشوه البناء الدرامي وضعف متانة السرد، وتظهر بالنتيجة إضافات فائضة عن الحاجة أو غير مفهومة للمتلقي أحياناً.



ينجو المخرج الفرنسي «غيوم مينجويت» (1977) بِجدارة من هذا التحدي، ويمكن القول أنّ فيلمه الأحدث «ڨنسنت قبل الظهر» (2019، 17د) انتصار لهُ في حرفية صناعة نوع الفيلم القصير.

هذا هو الفيلم الخامس في فيلموغرافيا "مينجويت"، كتب السيناريو لهُ بِالشراكة مع «يونا روزينكر» والانتاج لِشركة (Acrobates films) الفرنسية، ويحكي عن زيارة أب (أداء: جاك بونافي) لابنه "ڨنسنت" (أداء: ماتياس لابيل) بعد غياب طويل، وكيف يقابله الابن بِالرفض، لتتكشف تلك المواجهة عن غضب دفين وذكريات أليمة وسط دوامة الأفكار المتضاربة.

 





 

شبكة موضوعات مترابطة بِنسيج متين



يختار "مينجويت" الأسرة موضوعاً لِفيلمه، ويناقش تيمة التباعد الأُسري، الأب هجر زوجته وابنه منذ ثلاثة أعوام ومضى في حياته، تركهم يعانون الحاجة والوحدة، رحلت الأم، وبقي "ڨنسنت" الذي اعتاد على العيش مستقلاً ولم يعد يشعر بِأي ارتباط عاطفي بِأبيه، فَهو بِالنسبة لهُ شخص غير مسؤول وأناني، فَشكل ظهوره المفاجئ ازعاجاً لهُ وأصبح الأمر أسوأ مع تطفل الأب وإصراره على البقاء لِرؤية ابنه مدة قصيرة.



اعتمد "مينجويت" على المواجهة حاملاً رئيسياً للبناء الدرامي لِفيلمه، فَجعل الصراع يحظى بِالنسبة الأكبر من زمن السرد، وذهب للمكاشفات الانفعالية لِسبر الأغوار.

ابتعد عن الأسلوب التقليدي المباشر بِإعطاء معلومات عن الشخصيات، إنّما جعلها تفصح عن نفسها تدريجياً في خضم لقاءها المتوتر.

بِالتتابع نفهم المشكلات التّي أنتجت تلك الحدة بين شدّ الابن بِانفعال وجذب الأب بِهدوء.

لكن "مينجويت" يتفوق بِإغناء تلك المواجهة الدرامية بِشبكة موضوعات مترابطة بِنسيج متين، يُعطي الأسباب والنتائج بِوضوح ويضعها في مكانها الصحيح، فَجاءت تلك الموضوعات الفرعية؛ أساسية في التكوين الدرامي.

 

حيث يُقدم موضوع الفشل الأبوي عبر شخصية مبتكرة لِأب ودود ومُحب نقترب عاطفياً منه رغم زلات ماضيه، يقدمه المشتاق لابنه والمُصر على رؤيته رغم صد الابن ورفضه له، نراه نادماً دون أن ينطق بِتلك الكلمة، ودون تقديم مونولوجات استعراضية عن شخصية بائسة عائدة بعد ندم، يتمسك بِحجة دفع الفاتورة وانتظار رد شركة الكهرباء كي يبقى أطول مدة ممكنة، ويعود بعد أنّ يهم بالمغادرة حين يرى دلالة لِفوضى في معيشة ابنه.



نتساءل كما "ڨنسنت" عن سبب تلك الزيارة، يجيب الأب ويكرر أنّه جاء لِرؤية ابنه فقط.

لكن الابن لا يصدق الجواب، ليجد لاحقاً جواباً يرضيه، وهو مرض الأب الذّي ظهرت علاماته أثناء تلك الزيارة نتيجة انفعاله.



هنا يتناول "مينجويت" موضوع المرض من زاوية عاطفية موازية لِتيمة الفيلم.

فَالأب جاء فعلاً لِرؤية ابنه فقط، ليس كي يعتني بِه في مرضه كما ظنّ "ڨنسنت"، إنّما لِأن ذاكرته بدأت تخونه، وصارت أيامه معدودة، فَهو الآن بِطور الوداع التدريجي لِحياته، ومن الطبيعي أنّ يعود ملهوفاً للبحث عن ابنه؛ أثمن ما فقده، قبل أن يُمحى من ذاكرته التّي بدأت بِالضياع.



يبرز السؤال عن سبب هجر الأب لِعائلته، طبعه الأناني أمر مُصرح بِه بالتأكيد، لكن ما عِلّات الطرف المهجور من وجهة نظر الهاجر؟

 

هنا يتطرق "مينجويت" لِموضوع المثلية الجنسية، تلك القضية المعقدة التّي تلاقي الرفض لدى النسبة الأكبر من الناس.

ينتمي الأب لتلك النسبة، ويزعجه علاقة الارتباط المثلية التّي تجمع ابنه "ڨنسنت" بِصديق لهُ، ذاك الرفض أدى إلى فراق وغياب وتفكك أسري سابقاً، ينبه "ڨنسنت" لِتلك الذكرى في المواجهة الصارخة مع أبيه.

 

ويبدو أنّ الأب لازال رافضاً، لكن دون تصريح مباشر، فَنشاهده ينتكس ويتألم حين يرى صورة حميمية تجمع "ڨنسنت" وصديقه، كما يُعلق بِنبرة الرفض والاستهجان على بشاعة لباس نسائي يرتديه ابنه ويعلقه على مانيكان في غرفة الجلوس.



مواجهة عذبة بين الوجوب والتوقع



يتطرق الفيلم في العمق للصراع الذّاتي بين الواجب والمتوقع، القدر جعل "ڨنسنت" أمام اختبار صعب وشائك في موقف مُحيّر.

على الرغم من حساسية المواجهة؛ يبتعد "مينجويت" عن الاستعراض التقليدي الصاخب للصراع، يقدم فيلمه بِإيقاع هادئ وثابت لا يتأثر بردود أفعال الشخصيات وارتفاع أصواتهم، مما جعل الشريط مواجهة عذبة بين الوجوب وما ينبغي للابن أن يفعله وقد وجد نفسه يتعامل مع عودة أبيه نادماً ومريضاً بعد أن كان قد تجاوزه واعتبره من الماضي، والتوقع بِالسماح الذي حثّ الأب لِزيارة ابنه أملاً بِرؤيته والاطمئنان عليه قبل أن يفارق الحياة.

 



 

هنا علينا الإشادة بِالأداء التمثيلي رفيع المستوى للممثلين في تقديم شخصياتهم بِتكنيك مضبوط وصدق بِعفويتها وتلقائيتها.



ضبط إيقاع الشريط يأتي من براعة الرؤية الإخراجية، فَالمخرج اعتمد اللقطات متوسطة الحجم في تصوير مشاهده وابتعد تماماً عن اللقطات القريبة، مما ترك مسافة تأملية وحركية للشخصيات أنفسها سواء في ظهورها المنفرد أو في لقطاتها المشتركة، بِالإضافة لِترك مسافة للمتلقي كي يستفهم ويتساءل دون أن ينحاز لأحد الأطراف عاطفياً.

كما استطاعت حركة الكاميرا المتنقلة كسر جمود الموقف وجعلت المُشاهد بِحالة تتبع وترقب حيادي للحدث، مع الإشارة لِنسبة أكبر من اللقطات الخلفية في تتبع حركة الأب لإعطاء طابع استكشافي لِعودته باستحياء وندم، بينما كثرت اللقطات الأمامية للابن المواجه بِثقة وثبات أكبر.

 



الموسيقا التصويرية للفيلم أدت مهمة تعبيرية بديعة، تناغمت مع الموضوع والحدث، وجاءت كأنها انعكاس وجداني للحالة المطروحة، إنّه إبداع المؤلف الموسيقي «أروان فوكو».



في المشهد الأخير نرى ورقة تركها الأب، كان قد كتب عليها مهماته لِهذا اليوم، تركها ومضى وكأنه ما عاد يكترث للقادم بعد أن تأكد من رفض ابنه لهُ وشعوره بِأنّه فقده للأبد، لِينتهي الفيلم مع أداء مرهف بِصوت "مينجويت" لِأغنية بِعنوان "الورود في الحقل".





شارك الفيلم في عدة مهرجانات سينمائية دولية وحصد جائزة لجنة التحكيم الخاصة من مهرجان Arthous film festival في الهند.

ويحضر «غيوم مينجويت» حالياً لِفيلمه الروائي الطويل الأول.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى