“ضايل عنا عرض” سينما تقاوم الفناء وتعيد تعريف معنى البقاء
رانيا الزاهد
لا يقدّم فيلم “ضايل عنا عرض” نفسه بوصفه وثائقيًا عن عرض فني ناجح، ولا يسعى إلى إبهار المتفرّج بإنجاز جمالي مكتمل الأركان. على العكس، يتقدّم الفيلم منذ لحظاته الأولى باعتباره شهادة على الهشاشة، وعلى فعل الاستمرار حين يبدو الاستمرار نفسه ضربًا من المستحيل. ما نراه ليس عرضًا بالمعنى التقليدي، بل محاولة متكرّرة لإنقاذ معنى الحياة من الانهيار، ومحاولة للإمساك بالأمل في لحظة تاريخية يصرّ فيها الاحتلال على تجريد الفلسطيني من أبسط حقوقه: أن يعيش، وأن يحلم، وأن يقدّم “عرضًا آخر”.
لا يقدّم فيلم “ضايل عنا عرض” نفسه بوصفه وثائقيًا عن عرض فني ناجح، ولا يسعى إلى إبهار المتفرّج بإنجاز جمالي مكتمل الأركان. على العكس، يتقدّم الفيلم منذ لحظاته الأولى باعتباره شهادة على الهشاشة، وعلى فعل الاستمرار حين يبدو الاستمرار نفسه ضربًا من المستحيل. ما نراه ليس عرضًا بالمعنى التقليدي، بل محاولة متكرّرة لإنقاذ معنى الحياة من الانهيار، ومحاولة للإمساك بالأمل في لحظة تاريخية يصرّ فيها الاحتلال على تجريد الفلسطيني من أبسط حقوقه: أن يعيش، وأن يحلم، وأن يقدّم “عرضًا آخر”.
وسط أنقاض غزة وخيام اللاجئين، لا يوثّق فيلم “ضايل عِنا عرض” (One More Show) مجرد حرب، بل يلتقط فعل تحدٍ نادر: الضحك، والحركة، والإصرار على الحياة. الفيلم الوثائقي الطويل لمي سعد وأحمد الدنف، والمصوّر في يوليو 2024 خلال أعنف فترات القصف على القطاع، يتتبع فرقة “سيرك غزة الحر” وهم ينتقلون بين الشوارع المدمّرة، محوّلين الركام إلى مسرح، واليوم العادي إلى فعل بقاء.
الفيلم، الذي عُرض عالميًا لأول مرة ضمن مسابقة الهرم الذهبي في مهرجان القاهرة السينمائي، فاز أيضًا بـ جائزة يوسف شريف رزق الله (جائزة الجمهور) التي تُمنح بناءً على تصويت الحاضرين، وتبلغ قيمتها 15 ألف دولار، وحصل عليها أحمد الدنف، في اعتراف مباشر بتأثير الفيلم على المتلقي لا عبر الخطاب، بل عبر التجربة.
ما يميز “ضايل عِنا عرض” هو إيقاعه الخاص، لم يحاول صُنّاعه استغلال المشاهد الدامية المصورة لفرض إيقاع درامي مصطنع، لكن تركوا يومية الحرب والإبادة كما هي. حرب لا تمنح رفاهية الوقوف للبكاء أو الشكوى؛ الكارثة تقع، ومن يبقى حيًا عليه أن يفكر فيما سيفعله بعد ذلك للحفاظ على حياته.
خلال الحرب اليومية في قطاع غزة، نشاهد مجموعة من الشباب يقررون أن يمنحوا الأطفال شيئًا يتمسكون به غير كوابيس القصف والموت، شيئًا مرتبطًا بالحركة، بالجسد، بالإيقاع، لندرك أن الفيلم لا يسعى إلى استعطافٍ المشاهد، بل يطرح قيمة إنسانية أعمق: قيمة الفن كضرورة للبقاء على قيد الحياة.
منذ لقطاته الأولى، لا يتعامل الفيلم الفلسطيني” ضايل عنا عرض One More Show” مع الوثائقي بوصفه حاويةً للواقع أو مرآةً محايدة له، بل بوصفه مساحة اشتباك: بين الفن والزوال وبين الرغبة في الاستمرار وقسوة الزمن الذي لا يتيح دائمًا ترف “العرض القادم”. في هذا المعنى، يقدّم الفيلم الذي اخرجته مي سعد بمشاركة أحمد الدنف وهو إنتاج مشترك مصري–فلسطيني (2025)، بيانًا سينمائيًا شديد الوعي بذاته، لا يكتفي بتسجيل تجربة فنية، بل يفكّك شروط إمكانها، ويطرح أسئلة جوهرية حول معنى الأداء، وجدوى الاستمرار، ومكانة الفن في زمن هشاشةٍ سياسية ووجودية متفاقمة.

الفيلم الوثائقي كفعل أخير مؤجَّل
الأطروحة التي يقترحها الفيلم ليست صريحة، لكنها نافذة بحدة. الفيلم لا يسأل: ماذا يحدث؟ بل: لماذا الإصرار على الحدوث؟ ولماذا يصبح عرض “سيرك غزة الحر” فعلًا أخيرًا دائم التأجيل، كأن كل عرض هو الأخير، وكل أخير هو وعدٌ بعرضٍ آخر. هذا التوتر بين النهاية والاستمرار هو قلب الفيلم النابض، وهو ما يمنحه قوته الفكرية بعيدًا عن أي نزعة توثيقية أو خطابية مباشرة.
يحمل الفيلم توقيعًا إخراجيًا مزدوجًا، لكن اللافت أن هذا الازدواج لا يتحول إلى تشتّت أسلوبي. على العكس، يمكن قراءة “ضايل عنا عرض” بوصفه تقاطعًا واعيًا بين حساسيتين، مي سعد، التي تظهر اهتمامٌ بالبُعد الإنساني الهش، وبالأجساد بوصفها حوامل للذاكرة والانكسار، وأحمد الدنف، القادم من سياق فلسطيني مشبع بسينما المقاومة اليومية، حيث السياسة ليست موضوعًا معلنًا بقدر ما هي شرط وجود.
“ضايل عنا عرض” هو أول تجربة إخراج لفيلم وثائقي طويل لكلٍّ من مي سعد وأحمد الدنف. مي صانعة أفلام ومنتجة مصرية، بدأت مسيرتها المهنية كمساعدة مخرج في عدد من الأفلام الروائية الطويلة والقصيرة، إلى جانب عملها كمنتجة إبداعية في فيلم روائي سردي. اما أحمد الدنف هو مدير تصوير سينمائي وصانع أفلام من غزة، حاز فيلمه القصير يوم دراسي على جائزة يوسف شاهين في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي 2024، وشارك في عروض دولية متعددة.
النتيجة ليست تسوية وسطى، بل توترًا خلاقًا. فالفيلم لا يقدّم خطابًا فلسطينيًا مباشرًا، ولا يذوب في تأملات وجودية معزولة عن سياقها. إنه يشتغل في المنطقة الرمادية بين الاثنين: حيث الفن يصبح لغة بديلة للسياسة، والسياسة تفرض ثقلها حتى في أكثر اللحظات حميمية.
هذا الوعي بالحدود — حدود السينما، وحدود الفعل الفني ذاته — هو ما يمنح “ضايل عنا عرض”صفة الفيلم الناضج، لا بوصفه تجربة أولى أو مغامرة شكلية، بل بوصفه محطة متقدمة في مسار إخراجي يسائل أدواته باستمرار.
على مستوى اللغة السينمائية، يختار الفيلم اقتصادًا صارمًا في الأدوات بسبب ظروف التصوير غير العادية التي تم صنع الفيلم خلالها. الكاميرا، في معظم الوقت، بطيئة الحركة، كأنها ترفض الإثارة البصرية السهلة. هذا القرار ليس تقنيًا فحسب، بل دلالي: الثبات هنا ليس حيادًا، بل إصرار على المراقبة، على إعطاء الزمن حقه، وعلى ترك الفراغ يتكلم.

تأتي الكادرات غالبًا محكومة بفراغات مدروسة، حيث يحتل الجسد مساحة أقل مما نتوقع، وكأن الإطار أوسع من الشخصيات نفسها. هذا الاختلال المتعمّد بين الإنسان والمكان يذكّر بالسينما الرصدية (Observational Cinema)، التي تعتمد على عدم تدخل المخرج، فلا نجد موسيقى درامية، لا مؤثرات، لا تعليق خارجي. فقط أصوات البيئة والأشخاص وان تدع الحياة تتكلم وحدها، من خلال الكاميرا التي تراقب المشهد كما هو دون إعادة تمثيل أو توجيه، وتعتمد أكثر على خفة الحركة والاعتماد على اللقطات الطويلة. لكنه يتجاوزها بإدخال بعد شعوري واضح: المكان ليس خلفية، بل قوة ضاغطة
المونتاج يتجنّب البناء التصاعدي التقليدي. لا ذروة واضحة، ولا لحظة كشف كبرى. بدلًا من ذلك، يعتمد الفيلم على تراكم الإيقاع: مشاهد تبدو متشابهة ظاهريًا، لكنها تتغير داخليًا، مع تغيّر نظرات الشخصيات، ونبرة أصواتهم، وحضور التعب في أجسادهم. المعنى هنا لا يولد من القطع، بل من الاستمرار.
ظاهريًا، يتناول الفيلم تجربة فنية أدائية، لكن تحت هذا السطح تكمن شبكة معقّدة من الدلالات.
الأجساد في الفيلم ليست أدوات تعبير فني فحسب، بل أرشيفات حيّة: تحمل آثار التعب، الخوف، التكرار، والإصرار. الأداء هنا لا يمحو المعاناة، بل يكشفها. وكأن كل حركة هي تذكير بأن الجسد نفسه مهدّد، وأن الفن لا ينقذه بقدر ما يمنحه معنى مؤقتًا.

بين الحياة والموت… يخرج عرض آخر
يحضر سؤال الاستمرار بإلحاح: لماذا نُكمل؟ لمن؟ وماذا تعني فكرة العرض الأخير في سياق سياسي يجعل كل شيء مؤقتًا؟ الفيلم لا يقدّم إجابات، لكنه يصرّ على طرح السؤال بصيغ متعددة، بصرية وصوتية، حتى يتحول إلى سؤال وجودي يتجاوز سياقه الفلسطيني ليصير سؤالًا للإنسانية.
ما لا نراه في الفيلم لا يقل أهمية عمّا نراه. هناك غيابات واضحة: أماكن لا يمكن الوصول إليها، عروض لا تكتمل، وجمهور قد لا يأتي. هذه الغيابات تشكّل بنية خفية للفيلم، وتمنحه بعدًا تأمليًا يتجاوز التوثيق المباشر. لنجد أن نبرة “ضايل عنا عرض” محسوبة بدقة. الفيلم لا يلعب على العواطف، بل يظل قريب من شخصياته، لكنه لا يذوب فيها. هذا التوازن الصعب هو أحد إنجازاته الأساسية. المشاهد قد يشعر بالتأثر، لكن هذا التأثر لا يُفرض عليه عبر موسيقى عاطفية أو مونتاج متلاعب، بل ينبع من الاحتكاك الطويل مع الزمن والشخصيات.
الإيقاع البطيء ليس اختبارًا للصبر، بل دعوة للتأمل. الفيلم لا يطلب من المشاهد التعاطف، بل المشاركة في التفكير: ماذا يعني أن نصرّ على الفن حين يبدو العالم غير معني به؟
“ضايل عنا عرض” ليس فيلمًا سهلًا ولا مبهجًا، ولا يسعى إلى أن يكون كذلك. إنه عمل يثق في ذكاء مشاهديه، ويخاطبهم بوصفهم شركاء في التفكير، لا مستهلكين للحكاية. أبطاله نازحون، جائعون، مصدومون، ويعيشون الخطر ذاته الذي يصورونه. لكنه يمنحهم مساحة نادرة للهشاشة، بعيدًا عن صورة “البطل الصلب” أو البطولة الذكورية الفارغة. هنا، الصمود ليس شعارًا، بل ممارسة يومية صغيرة، صامتة أحيانًا، ومؤلمة غالبًا. أهميته لا تكمن فقط في موضوعه، بل في موقفه من السينما نفسها: سينما ترفض التزيين، ترفض الاختزال، وتصرّ على أن يكون الوثائقي مساحة تفكير جمالي وأخلاقي في آن.
في زمن يميل فيه الوثائقي إلى الاستهلاك السريع أو الخطاب المباشر، يقدّم احمد الدنف ومي سعد نموذجًا مختلفًا، فيلمًا يعرف أن كل عرض قد يكون الأخير، لكنه مع ذلك يصرّ على أن يكون دقيقًا، صادقًا، وجديرًا بالمشاهدة.
- “ضايل عنا عرض” سينما تقاوم الفناء وتعيد تعريف معنى البقاء
لا يقدّم فيلم “ضايل عنا عرض” نفسه بوصفه وثائقيًا عن عرض فني ناجح، ولا يسعى إلى إبهار المتفرّج بإنجاز جمالي مكتمل الأركان. على العكس، يتقدّم الفيلم منذ لحظاته الأولى باعتباره شهادة على الهشاشة، وعلى فعل الاستمرار حين يبدو الاستمرار نفسه ضربًا من المستحيل. ما نراه ليس عرضًا بالمعنى التقليدي، بل محاولة متكرّرة لإنقاذ معنى الحياة من الانهيار، ومحاولة للإمساك بالأمل في لحظة تاريخية يصرّ فيها الاحتلال على تجريد الفلسطيني من أبسط حقوقه: أن يعيش، وأن يحلم، وأن يقدّم “عرضًا آخر”. - المخرج أحمد رشوان يطالب بالتحقيق في أزمة تنظيمية بمهرجان وجدة السينمائي الدولي
طالب المخرج السينمائي المصري أحمد رشوان وزارة الثقافة المغربية بفتح تحقيق عاجل في أزمة تنظيمية شهدتها الدورة العاشرة من مهرجان وجدة السينمائي الدولي، والتي أقيمت خلال الفترة من 17 إلى 20 ديسمبر 2025، وذلك على خلفية ما وصفه بعدم الالتزام بالدعوة الرسمية الموجهة إليه للمشاركة في فعاليات المهرجان. وأوضح رشوان أنه تلقى اتصالًا هاتفيًا من الصحفي خالد سعد لإبلاغه بدعوته لإلقاء محاضرة ضمن برنامج المهرجان، أعقبه إرسال دعوة رسمية من عز الدين ميساوي رئيس المهرجان عبر … - المخرج أحمد رشوان يعلن انطلاق جمعية «حتحور للثقافة والفنون»: دعم للسينما المستقلة وتوأمة مع مهرجانات عربية قريبًا
أطلقت جمعية «حتحور للثقافة والفنون» برئاسة المخرج أحمد رشوان موسمها الأول من الفعاليات الفنية والثقافية، معلنة بدء نشاطها رسميًا في القاهرة، بهدف تعزيز حضور الإبداع المستقل داخل المشهد الثقافي المصري، ودعم الطاقات الشبابية في مجالات الفن المختلفة. وتسعى الجمعية إلى بناء منصة ثقافية قادرة على خلق تفاعل حقيقي بين صناع الإبداع والجمهور، من خلال برامج تشمل عروض أفلام، وندوات، ومعارض، وبودكاست، إلى جانب ورش تدريبية يقدمها متخصصون في عدد من المحافظات. وأعرب المخرج أحمد رشوان عن … - المدينة البعيدة.. دراما تُعرّي توريث المرأة وصراعات القوة والعاطفة
نسيم الديني منذ عرضه الأول، حجز مسلسل “المدينة البعيدة” مكانًا بارزًا في خارطة الدراما التركية والعربية، بفضل حبكته المشوقة وما يحمله من توتّر عائلي يلامس طبقات المجتمع المختلفة. لكن خلف هذا الانغماس الجماهيري، يبقى المسلسل أهم من مجرد أحداث مثيرة أو شخصيات قوية؛ فهو عمل يطرح قضايا اجتماعية وثقافية حسّاسة تُطرح للمرة الأولى بهذا الوضوح، … - فتاة المصنع.. حين حررت إنانية الفارس «سندريلا»
ضياء مصطفى في 2014، حين عُرض فيلم «فتاة المصنع» للمخرج الراحل محمد خان، كانت مصر ما زالت تشهد تبعات ثورة 25 يناير 2011، والحراك لم يكن سياسيًا فقط، ولكن كان اجتماعيًا أيضًا، وفي القلب من هذا الحراك كانت قضايا المرأة حاضرة وبقوة، وهو ما وظفه الفيلم نفسه، فبينما هيام «ياسمين رئيس» تغادر «جروبي» تجرّ أذيال …


