نقد

«1917»  مضمون خادماً التقنية.. عوضاً أن تخدِمهُ

 

نوار عكاشه

 

حربٌ تجعلُ الرجالَ مجانين، أطفالاً بذقونٍ طويلة، جبابرةً بقلوبٍ مكسورة، شياطينَ جامحة، وملائكةً بعينين جميلتين، أو قصص حُبٍّ أبطالها رجالٌ اعتادوا المعارك، أزيز الرصاص في أصواتهم، وخلف همسهم؛ صرخات الرفاق الطالبين للنجدة بعد الوقوع في كمين، أبصار شاردة دوماً نحو السماء مع هدير حوّامة ترمي طعاماً للجنود المحاصرين.

هكذا اعتدنا أن تُقدم لنّا السينما أفلامها عن الحرب.

تلك نمطية، نعتبرها كذلك رغم صدقها وتأثيرها وتنوع تيماتها، ونتطلع لمعالجات جديدة للفكرة.

 

 

صناعة فيلم حربي بِمعالجة سردية تستعمل تقنية اللقطة الواحدة تبدو فكرة عظيمة، فَفي الحرب لا مجال للقطع، الأشخاص دوماً على أهبة الاستعداد، والأحداث لا يمكن توقعها، وهذا ما يشجعنا على مشاهدة «1917» (2019، 119د) الفيلم الأحدث للمخرج «سام ميندز» (1965) عن سيناريو له بالشراكة مع «كريستي ويلسون كيرنز» مع فضول كبير لِمعرفة ما إذا استطاع الفيلم خلق حالة شعورية جديدة بِاعتماده تلك التقنية.

 

يوم 6 إبريل من العام 1917، إبان الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، وبينما يتجمع الفوج لِشن حرب في عمق أراضي العدو، يتم تكليف جنديين بالسباق مع الزمن لِإيصال رسالة تنقذ 1600 مقاتل من السير مباشرة نحو فخ مميت.

 

يُتابع الفيلم رحلة العريف "لانس سكوفيلد" أداء: جورج ماكاي، بِرفقة العريف "توم بليك" أداء: تشارلز تشابمان، نحو منطقة تمركز الوحدة الثانية لِإبلاغ الكولونيل "ماكينزي" أداء: بيندكيت كيمبرباتش، بِإلغاء الهجوم بعد اكتشاف خدعة العدو.

 

 

شُح درامي وإبهار بصري لحظوي

 

بِضجيج مُزعج تُرافقنا موسيقا «توماس نيومان» في تلك الرحلة، موسيقا انفعالية دون مبرر، فائضة ومنفصلة عن الصورة لاسيما في الثلث الأول من الشريط، حيث يمر ويستمر حتى الدقيقة 47 دون أي حدث مُحرِّك، وتقتصر المدة السابقة على تتبع مسار طريق نتوقف بِه مرتين فقط، مرة حين نجاة أحد البطلين من الموت وهو ما لا يمكن اعتباره حدثاً مُحرِّكاً إطلاقاً تبعاً لِظروفه، ومرة في حوار بين البطلين حول مبادلة أحدهما لميداليته المزينة بِوسام شرف حربي بِزجاجة نبيذ مما يثير استغراب الآخر، فَتأتيه الإجابة بِأن المبادلة تمت بِسبب العطش، وهنا محاولة لِتقديم طرح وجودي بِالتعبير عن استياء ونزق المحاربين من عبثية الحرب وشعاراتها الفارغة أمام كيان الإنسان وحاجاته ونجاته.

 

 

لا أحداث درامية تصنع مضمون حتى الآن، شُح درامي مسيطر على ما يتجاوز ثلث المدة الكاملة ومكتفية بِتعريفك بِمهمة الشخصيتين دون تعمق بهما!

 

يحدث أن نودع "بليك" بِطريقة ارتجالية تحاول بعث رسالة سياسية هوليوودية، ويظهر لنا فجأة رتل عسكري موالي، لا نعلم كيف أتى لِتلك المنطقة المنعزلة دون أن نشعر باقترابه أو نسمع صوته، ودون أن يشعر "سكوفيلد" نفسه بِه!

 

يصعد إحدى شاحنات الرتل نحو مقصده، ويضطر للتوقف في إحدى البلدات، وهنا يبدأ الشريط بِالتصاعد مع حدوث مناورة بالرصاص تنتهي بِالعريف مُصاباً وغائباً عن الوعي في الدقيقة 72 ويقوم "ميندز" بالقطع الصريح للمرة الأولى في الفيلم.

 

 

إذاً، لم يُقدم لنا الشريط سوى تجريب تقنية اللقطة الواحدة حتى تلك اللحظة، فقد فرصته بالتأثير بِنا بِطرح معالجة جيدة وسرد سينمائي مناسب لها واكتفى بِإبهار بصري لحظوي وعليه الآن التحول نحو أفعال ومفاجآت وتصادمات لِيلملم خيبتنا.

 

يصحو "سكوفيلد" ويتقدم كَبطل أسطوري لم يتأثر بإصابته! نجد تغير زمني، أمسينا ليلاً في بلدة مُضيئة بالقصف ولمعان الرصاص، نتتبع مناورة هزلية في متاهات المدينة، واستراحة في قبو مع امرأة فرنسية ترعى طفلة في مشهد يُحاول بِخجل إظهار جانب البطل الإنساني، ليستكمل رحلته بعدها ولكن هذي المرة في نهر جارف، يقطع "ميندز" صريحاً هنا أيضاً، ويولف ليعود للعريف طافياً على مجرى هادئ للنهر حتى الرضفة المقصودة.

 

نستريح على صوت «Jos Slovick» يؤدي أغنية "Wayfaring stranger" لننتقل بعدها إلى المرحلة النهائية وهي الوصول للكولونيل لإبلاغه الرسالة قبل فوات الأوان، وننتهي مع لقاء "سكوفيلد" مع شقيق صديقه "بليك" وإبلاغه بِمصير شقيقه، فقدان مؤلم في حرب يبدو أنّها لن تنتهي حتى موت آخر الصامدين.

 

 

الإبهار التقني لا يصنع فيلم جيد

 

لم تقدم أسلوبية اللقطة الواحدة أيّة فائدة للفيلم، فَمع ضعف المحتوى لا مجال للتوظيف، وكأنها كانت هي الفكرة وكُتِب السيناريو لها، لِخدمتها، مضمون خادماً التقنية عوضاً أن تخدمه!

 

لكن ذلك لا يمنع الإشادة الفنية بِالتصوير السينمائي الذي تولاه «روجر ديكنز» بِبراعة، مُستعملاً كاميرا واحدة مع تغيير العدسات، وهي من نوع (Arri alexa LF) التي يستعملها لأول مرة في مسيرته المهنية، ومُحققاً انسيابية مضبوطة لِحركة الكاميرا، مُرافقاً الشخصيات في الكادرات بِأغلبية عظمى لِزاويتي تصوير فقط، الـ eye level angle في حالات الاندفاع وال high level angle في حالات فقدان السيطرة، وذلك بِميزانسين دقيق ومُحكَم بِشدة انعكس إيجاباً في ضبط إيقاع الفيلم بصرياً، ولكن الإبهار البصري وحده لا يصنع فيلماً جيداً مهما كان مُتقن الحرفة.

 

بالمقابل جاء أداء الممثلين بارداً، لم يتعدى الحركة في المكان مع التعريج على بعض المواقف، وهذا أمر طبيعي، إذ يفتقد المحتوى للدراما، وتطفو الموسيقا التصويرية صارخة وكأنها تحاول ملئ الفراغ وتوجيه المُشاهد للتفاعل، ولكن المشاهد يحتار فيما يتفاعل!

 

 

 

نتنقل مع الشخصيات في الكوادر، لكنها كوادر فقيرة، ورغم الاشتغال الغني على تصميم إنتاجها لم تغتني فنياً، واقتصر عمل فريق تصميم الإنتاج على تهيئة مواقع تصوير مناسبة.

 

يبدو أن هوس هوليوود بالأزرق والبرتقالي مستمر، وهو ما نجده جلياً في الفيلم، تصحيح الصورة فيما يتعلق بِتصحيح الألوان باعتماد تقابل اللونين الأزرق والبرتقالي في دائرة الألوان؛ صار أمراً مملاً، لاسيما أنّه استهلك في غالبية إنتاجات هوليوود بعد مطلع الألفية الثالثة، ولا نجد مبرر لهُ في هذا الفيلم، بل انعكس سلباً على واقعيتها وصدقها وخفتت كادراتها لِصالح الشخصيات الخافتة أصلاً.

 

هفوات بالجملة!

 

يعاني الفيلم من هفوات بالجملة، يمكن ملاحظتها بِوضوح، ومن تلك الهفوات: أخطاء راكور نكتشفها في تبدل موضع حمل البندقية على الكتف ونظافة مُفاجئة للملابس المتسخة بالوحل قبل دقائق! وفي تحول سريع لِلون بشرة "بليك" بِين الدقيقتين (56-58).

 

في مشهد صعود "سكوفيلد" للتأكد من موت القناص؛ كان الأجدر بِه رمي قنبلة يدوية مما كان بِحوزته بدلاً من فتح الباب بِثقة.

 

 

خطأ بِتضاريس جغرافيا المكان ومسير النهر وتحوله لِشلال في بلدة لا منحدرات بِها أو في الطرق المؤدية لها!

 

كما نلاحظ في المشهد الليلي بعد صحوة "سكوفيلد" وحركته بالبلدة تخبطاً في الظلال، ظلال الحوّامات كبيرة تؤكد قربها الشديد منه!

 

ومن المستغرب جداً مظهر "سكوفيلد" في المشهد الأخير دون أي خدش أو ندبة بعد عدة إصابات منها إصابة بالرقبة أدت سابقاً لإغمائه ونزيفه بِغزارة، نراه سليماً في نقطة طبية واسعة على أرض مكشوفة، بينما يعلم الجميع أن أقرب النقاط الطبية لأي جبهة تكون دون مستوى الأرض وعلى بعد أميال عن أرض المعركة.

 

لاقى «1917» ترحيباً واستحساناً عالمياً سببه الرئيسي اعتماده اللقطة الواحدة لا المضمون، مما يثير الريبة والتساؤل حول سطوة التقنيات والعناصر الفنية على فن السينما اليوم، واعتماد الإبهار مقياساً للجودة.

 

 

الفيلم حائز على عدة جوائز منها:

وجائزتي golden globe عن فئات (أفضل فيلم درامي، أفضل إخراج) و7 جوائز BAFTA عن فئات (أفضل فيلم، أفضل فيلم بريطاني، أفضل إخراج، أفضل تصوير سينمائي، أفضل تصميم إنتاج، أفضل صوت، أفضل مؤثرات بصرية) ومرشح لـ10 جوائز أوسكار

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى