رأي

“الشهد والدموع” من منظور سياسي تاريخي

أحمد الحسيني

تعتبر رائعة ” الشهد والدموع ” أكثر الأعمال الدرامية نجاحا وشهرة لأسامة أنور عكاشة؛ فهي مازالت تحصد المشاهدات حتى يومنا هذا!

أسامة أنور عكاشة، هذا القلم المؤرخ أكثر منه كاتب دراما؛ أعماله – في الأغلب – توثيق لأهم الأحداث بغاية التأريخ أكثر منها قصة روائية تهدف المتعة فقط!

الشهد والدموع هي قصة درامية اجتماعية تدور معظم أحداثها في الفترة الناصرية، هذه الفترة الهامة في تاريخ مصر المعاصر؛ فهي فترة دائم الحديث عنها في مواقع التواصل الاجتماعي ويعتبر قائدها – جمال عبد الناصر – الغائب الحاضر دائما في أي نقاش سياسة إما بالشيطنة أو التقديس!!

في رأيي الشهد والدموع أكثر عمل درامي ناقش سياسات عبدالناصر بتجرد وذلك من خلال شخصيات العمل غير الرئيسية، ١١ شخصية عبرت عن واقع المجتمع المصري في تلك الحقبة التاريخية.

١– عبود أفندي

الوطني المغمور الذي فقد ذراعه في حرب السويس، المهتم بحديث السياسة ودائما يحاول جذب فئة الشباب لحديث السياسية اليومي!
نعم عزيزي القارئ ” حديث السياسة اليومي” فقد كان الشعب المصري يتحدث في السياسة كما يشاء، على عكس ما صوره لك ” فيلم الكرنك ” أن كل من كان يتحدث في السياسة يعتقله صلاح نصر!!

٢- حسين شوقي رضوان

مثال الشاب المصري المستفيد من سياسات يوليو الاجتماعية، والفخور بكونه عامل في دولة تدعم قوي الشعب العاملة، وظهر هذا في مشهد له يقول لأمه: أنا دلوقي لما بقدم نفسي لحد بقول إني اسطي ميكانيكي مش طالب تجارة

وأيضا هو نفسه أول ضحايا نكسة يونيو ١٩٦٧ وسقوط الطموحات.


٣- نسل زينب وشوقي

أبناء الطبقة الوسطى، تعلموا وأصبحوا دكاترة ومهندسين شأنهم شأن أبناء الارستقراط! وهذا بفضل مجانية تعليم دولة يوليو وقوة اقتصادها وانخفاض أسعارها، وهذا على عكس الشائع على صفحات الفيس بوك

٤- ملاك أفندي

ملاك أفندي المسيحي المساند لجاره المسلم، ومكرم الصاحب الأخ لحسين وأحمد شوقي!
هذه مصر ما قبل دولة العلم والإيمان، مصر ما قبل التشدد الديني، مصر ما قبل ” المسيحيين ريحتهم وحشة ويمارسون الجنس إجباري يوم الكريسماس في الكنائس “

٥- نيازي باشا

أهم شخصية في المسلسل؛ الأرستقراطي وأحد فلول النظام الملكي، استطاع أن يصل في ظل دولة يوليو ويتقلد منصب حساس في الدولة، لدرجة أنه عرف نوايا عبدالناصر بفرض قوانين ١٩٦١ قبل أن يتم الإعلان عنها رسميا!!
وجاء استنكار أسامة أنور عكاشة لهذه النقطة على لسان حسين (محمود الجندي): أنا عارف عبدالناصر سايب الأشكال دي ليه!!

٦- حجازي

مثال البرجوازية الصغيرة، فرغم اشتراكية دولة يوليو، إلا أنه قد شاب التطبيق أخطاء! فمثلا عبدالناصر أمم وسائل الإنتاج من رجال أعمال كبار ولكنه أوكل إدارة بعضها لرجال أعمال صغار! وهذه النقطة تحديدا كانت محل هجوم من الشيوعيين علي جمال عبدالناصر، بجانب نقدهم مشروع الوحدة ١٩٥٨

٧- الأسطى سيد

الميكانيكي الذي يريد الزواج من المدرسة، برغم الفارق الثقافي والمجتمعي بينهما! وهذا نتاج تغيير ثقافة الشعب المصري عن أيام رد قلبي؛ فابن الجنايني سيتزوج بنت الباشا

٨- حافظ رضوان

الاتحاد الاشتراكي ومن قبله القومي كان يجمع الحابل بالنابل! بالعامية ” كل من هب ودب ” لدرجة أن حافظ بيه رضوان الرأسمالي الكبير كان أهم أعضائه!

٩- علاء نيازي

المؤمن بسياسات يوليو ومعجب بجمال عبدالناصر والعدالة الاجتماعية رغم أنه ابن أسرة إقطاعية! وهذه الشخصية موجودة في الواقع فعلا؛ جميل راتب ونبيل الحلفاوي أبناء اقطاعيين ومع ذلك مؤمنون بدولة يوليو، لدرجة أن جميل راتب قال في لقاء تلفزيوني: عبدالناصر أمم ممتلكاتي وهو كان معاه حق وانا كنت في فرنسا في زمنه وكنت فخور بيه وسط الفرنسيين وهو أممنا بس مسبناش نجوع
فشخصية علاء شأنها شأن شخصية الاسطي سيد؛ كلاهما يدخلان ضمن مصطلح ” علاقات غريبة ” لأن كل منهما يريد الزواج من فتاة ليست من نفس بيئته؛ وهذا تحت تأثير الخطاب الثقافي القوي من الدولة ” تقليل الفارق بين الطبقات”


١٠- سمير حافظ

” أونا رجع وزمانا جه “
هذه الجملة قيلت على لسان هذه الشخصية بعد نكسة ١٩٦٧ ولعلها معبرة عما جري فعليا بعد ذلك من ضياع حقوق الطبقة الوسطي وعودة الرأسمالية ثانيا وبقوة عام ١٩٧٤، عندما جاء الانفتاح الاقتصادي

” كانت بلدنا دلوقي بلدكوا انتوا “
هذه الجملة أيضا قيلت على لسانه، قالها عندما سأله أحمد شوقي عن سبب تركه بلده، فكان هذا الرد الصارم البتار الذي يجزم بأن دولة ما بعد يوليو كانت ملك لأبناء الطبقة الوسطي المتمثلة في ” أحمد شوقي ” وهذا بعكس ما يقال حاليا على مواقع التواصل، ومحاولة البعض دمج ما قبل ١٥ مايو ١٩٧١ بما بعدها وكأنها دولة واحدة وسياسة واحدة


١١- الواد منظر

من أسلحة دولة يوليو – التي كانت ذو حدين – هي سيطرتها على الشارع المصري بدرجة كبيرة، لدرجة أن دولة يوليو لم تتهم في قضية تقصير أمني داخلي طوال ١٦ سنة متتالية؛ وذلك بسبب كفاءة أجهزتها الأمنية التي لها عيون في كل مكان، وظهر هذا من خلال شخصية ” متولي أبو النجا ” الذي كان متخفي تحت شخصية ” الواد منظر “
وهذه القبضة الأمنية كانت لها ميزة وعيب
الميزة، دولة يوليو بدون تقصير أمني على عكس ما حدث بعد ذلك ” إرهاب الثمانينات مثلا ” وقبل ذلك أيضا ” حريق القاهرة مثلا “
العيب، انحراف جهاز المخابرات العامة من الفترة ١٩٦٥ إلى ١٩٦٧

وبذلك أوجز أسامة أنور عكاشة هذه الفترة في عمله هذا بحيادية، ودفن ميوله الناصرية ونحاها جانبا فذكر بعض من إنجازاتها وغالبية سقطاتها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى