نقد

Beanpole:  محاولة الحياة وسط أنقاض الدمار

 

محمد كمال

 

انتهت الحرب العالمية الثانية بهزيمة ألمانيا وانهيار النازيين بقيادة هتلر في سبتمبر 1945 وخرجت دول الحلفاء رابحة (الولايات المتحدة الأمريكية – فرنسا – إنجلترا – الصين – روسيا)، وفي الدولة الأخيرة تدور أحداث فيلم (Beanpole) للمخرج الروسي الشاب كانتيمير بالاجوف والذي يقدم فيلمه الروائي الثالث، وهو الفيلم الذي وصل إلى القائمة القبل نهائية في جائزة أوسكار أفضل فيلم ناطق بلغة أجنبية، كما حصل الفيلم على جائزتي من مهرجان كان عندما شارك في قسم نظرة ما وهما أفضل مخرج وجائزة الفيبرسي.

 

 

قد يرى البعض أن الإطار العام للفيلم الذي يتعلق بالآثار النفسية الجسيمة التي خلفتها الحرب سبق وان قدم من قبل في أعمال سابقة لكن تمييز هذا الفيلم عن غيره يكمن في ثلاث نقاط الأولى قلة الأعمال السينمائية التي أظهرت آثار الحرب الكارثية من قبل المنتصرين، فمعظم تلك الأعمال تهتم بفكرة التصالح مع الآخر وحتى وإن طرحت آثار الحرب فلم يكن بقوة وإنسانية الفيلم الروسي، برغم أن دولته خرجت رابحة من الحرب لكن ما شوهد في أحداث الفيلم يضعنا أمام دولة تبدو مهزومة مفككة تعاني الضعف والهوان وتتفشى فيها الأمراض.

 

 

حتى على مستوى الجنود الذين هم من المفترض أنهم عادوا من أرض المعركة حاملين النصر إلا أن معظمهم مرتبك غير منضبط نفسيا يعاني من الألم والوحدة والأكثر من ذلك أن منهم نماذج يطالبوا الأطباء بالقتل الرحيم حتى يكون راحة لهم من آثار الألم سواء كانت جسدية التي وصلت إلى فقدان القدرة بالإحساس بالألم أو الحالات النفسية المتردية، انه صراع ضاري بين الحياة والموت في وقت واحد رغم انتهاء الحصار على مدينة لينينجراد.

 

 

في البداية على التتر يشرح المخرج معنى كلمة "Beanpole" مكتوبة باللغة الروسية بمعنى "الساق التي تدعم النباتات في النمو" وهذا الاسم يرمز إلى أمرين الأول إلى بطلة الفيلم (أيا) وهي فتاة فارعة الطول والنحافة كما يطلق عليها باللفظ الدارج "زعزوعة"، والأمر الثاني يرمز إلى الدعم والمساعدة الذين تحتاجهم روسيا من أبنائها لإعادة البناء من جديد ومحاولات النمو الاقتصادي بعد آثار الحرب الدامية التي دمرتها وأصبحت بحاجة إلى إعادة إعمار.

 

يبدأ الفيلم في الخريف الأول بعد انتهاء حصار مدينة لينينجراد وفي الخلفية صوت أنفاس طويلة متقطعة في أمر أشبه بصوت الشخص وهو في الغيبوبة وتظهر على الشاشة "أيا" الفتاة الروسية الجندية السابقة التي سرحت من الجيش أثناء الحرب بعد إصابتها بمرض التصلب، والتحقت بالعمل في المستشفى العسكري، أيا عادت من الحرب بطفل يدعو ساشا ثم نكتشف أنه ابن صديقتها في الحرب الجندية ماشا، وتعود ماشا بعد الحرب لتجد أن طفلها توفى وتكتشف صعوبة تعويضه لأنها أصبحت عقيمة فتقوم بابتزاز صديقتها أيا والضابط الطبيب نيكولاي ايفانوفيتش لينجبا لها طفلا غيره بعد أن اكتشفت قيام نيكولاي وأيا بعمليات القتل الرحيم للجنود في المستشفى والحصول على حصص طعامهم.

 

 

أثناء رحلة الثلاثي للبحث عن العودة للحياة وسط الأنقاض التي خلفتها الحرب يقدم المخرج وصف شديد الدقة والإتقان عن طريق الصورة للدمار الذي حل بالمدينة الروسية حيث المباني الهاوية والسيارات المتهالكة ووسائل المواصلات المتكدسة والشوارع التي يكسوها آثار العدوان، حتى على مستوى الأشخاص فالحرب تركت خلفيات نفسية وعقلية داخل الروس فأصبحت فكرة العودة للحياة الطبيعية أمر صعب المنال، صحيح أن الفيلم الإنجليزي لأمريكي "The Aftermath" أو "آثار ما بعد الكارثة" قد قدم أيضا الدمار في مدينة هامبورج الألمانية بعد الحرب لكن اقتصر الأمر على بعض اللقطات العابرة لكن في الفيلم الروسي هذا الدمار جزء أساسي من الحبكة، وهنا تكمن النقطة الثانية في تمييز الفيلم عن غيره .

 

 

أما النقطة الثالثة التي تعطي للفيلم الروسي تمييزا خاصا وتفرد بين أقرانه أن المخرج كانتيمير بالاجوف اعتمد في الأدوار الرئيسية على ثلاثة ممثلين يقدمون العمل الأول لهم في فيلم شديد الخصوصية وأدوار صعبة وتحتاج إلى ممثلين من نوع خاص لأن أزمة الأبطال داخلية تحتاج إلى قدرات تمثيلية لتظهر على الشاشة وتصل إلى المتفرج حيث اعتمد المخرج في معظم الوقت على استخدام اللقطات القصيرة والمتوسطة ليكون أكثر قربا إلى تفاصيل تعبيرات الوجوه لإظهار حالة اليأس والضعف والمرض ومعاناة الجميع، ويبدو أن اختيارات بالاجوف جاءت في محلها ونظرته كانت ثاقبة في اختيار المواهب التي تجسد الأدوار الثلاث فيكتوريا ميروسيتشينكا في دور (أيا)، وفاسيليسا بيرليجينا في دور (ماشا)، وأندري بيكوف في دور (نيكولاي) لكن يظل الأداء الأكثر إمتاعا بين الثلاثي من نصيب فاسيليسا بيرليجينا.

 

 

الطفل المنتظر كان محور أساسي في الأحداث لما يمثله من قيمة لدى ماشا في البداية ثم بعد ذلك أيا أيضا، فالطفل يمثل لهم مخزى الحياة الحقيقي، والمعاني التي فقدت أثناء الحرب، محاولة البحث على مستقبل وسط أنقاض الدمار في تجربة شديدة التمييز والشاعرية والبساطة في الطرح رغم تخمة التفاصيل التي ظهرت على الشاشة في إطار مغلف بآثار الدمار في المدينة الروسية، وتظل فرصة الفيلم كبيرة للوصول إلى القائمة النهائية ضمن ترشيحات جائزة أوسكار أفضل فيلم أجنبي لكن تبقى فرصة حصوله على الجائزة صعبة بعض الشيء لوجود التنين الكوري الجنوبي البديع (طفيلي) الذي يبدو أن تلك الجائزة محجوزة له .

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى