نقد

Dances With Wolfs من ذاكرة السينما (1-2)

حسن حداد

 

فيلم (الرقص مع الذئاب – 1990) تحفة بصرية سينمائية رائعة، وهو الفيلم الذي لاقى نجاحا جماهيريا ونقديا على السواء، نجاحا كبيرا حقق أرباحا تقدر بمئات الملايين من الدولارات. هذا إضافة إلى ترشيحه لاثنتي عشرة جائزة من جوائز الأوسكار، وفوزه بسبع جوائز منها، وهي جوائز أحسن فيلم، أحسن إخراج، أحسن سيناريو، أحسن تصوير، أحسن موسيقى، أحسن ملابس، أحسن مؤثرات.

 

وهو واحد من أفلام الويسترن، يدور حول ضابط أمريكي يتم نقله، وباختياره، إثر الحرب الأهلية الأمريكية، إلى نقطة بعيدة في الغرب الأمريكي حيث تنتهي رحلته على أرض يعيش عليها أفراد قبيلة السيوكس، وهي قبيلة من قبائل الهنود الحمر الذين يخشون تقدم البيض ويحتارون في آمر هذا الضابط الذي حط الرحال وحده في هذه الثكنة العسكرية المهجورة. فهم إذا ما حاربوه قد يجلبون لأنفسهم المتاعب، وإذا ما تركوه فقد يكون بداية قافلة المستوطنين البيض.

 

 

إلا إن ما يحدث لاحقا، هو ولوج ذلك الضابط الأبيض- تدريجيا- عالم القبيلة الهندية واكتشافه بان كل القصص التي سمعها عنهم مزيفة. فهم حقا شعب مسالم وشجاع وسخي وعلى علاقة سلام مع أنفسهم ومع الطبيعة وبالتالي يؤدى اكتشاف الضابط هذا بأن يتبنى قضيتهم ويؤمن بحقهم في حريتهم على أرضهم لدرجة مواجهته معهم عدوان الرجل الأبيض سعيا وراء إثبات حقوقهم والدفاع عن حريتهم.

 

بهذا يقدم الفيلم، بتعاطف شديد، تراجيديا السكان الأصليين للقارة الأمريكية من الهنود الحمر، ويروي جانبا من الجرائم التي ارتكبت بحقهم من جانب الرجل الأبيض. والذي لم يتوقف عن جرائمه إلا بعد أن دمر ثقافتهم وحضارتهم وقضى حتى على اللغات التي كانوا يتحدثون بها. ليبقى منهم أعدادا قليلة تعيش في مجتمعات مغلقة في بعض الولايات.

 

 

فيلم "الرقص مع الذئاب" في حد ذاته، هو إعادة اعتبار فريدة من نوعها لمواطني أمريكا الأصليين، ليس لأنه المحاولة السينمائية الأولى في هذا المجال، بل لأنه الأنجح بين كل المحاولات.

 

الفيلم كما يقول بطل الفيلم ومخرجه (كيفن كوستنر) هو اعتذار متأخر جدا لأصحاب القارة الأصليين. ولا يمكن القطع طبعا بأن هذا الاعتذار جاء نتيجة إحساس حقيقي بالذنب تجاههم ونتيجة إيمان قوي بموقف بطل الفيلم الملازم (جون دنبر) الذي خلع زي الجيش الاتحادي للولايات المتحدة الأمريكية، حيث كان ضابطا فيه عام 1860، فيختار جانب الهنود الحمر والوقوف ليحارب معهم ضد أبناء جلدته. أم أن كل هذا مجرد ذكاء فني وتجارى من السينمائيين الثلاثة الذين قام على أكتافهم الفيلم، وهم المنتج "جيم ولسون" والمؤلف "ميتشيل بليك" والممثل المخرج "كيفن كوستنر"؟!

 

 

وأيا كان الدافع الحقيقي وراء إنتاج هذا الفيلم، فلا شك بان صانعيه قد نجحوا في تقديم صورة إنسانية بالغة القوة والجمال تتعرض لحياة الهنود وتؤيد قضيتهم كما أنهم استطاعوا أن يجعلوا المتفرج الأمريكي ينتابه ذلك الشعور بأنه يمتلك من الحرية وشجاعة الرأي ما يجعله يدين موقف أجداده وآبائه في بعض القضايا التاريخية الهامة. فبعد أن بدأت السينما الأمريكية بإدانة ما حدث للرجل الأسود من تفرقة عنصرية على يد الأجداد البيض، ثم إدانة حرب فيتنام وما جرى فيها من فضائع، قدمت هذه السينما بعض الأفلام التي تدين فيها تصرف الرجل الأبيض تجاه الهنود سكان القارة الأصليين.

 

 

في "الرقص مع الذئاب" تنقلب الصورة التقليدية القديمة التي سجلتها الكثير من أفلام رعاة البقر الأمريكية عن الرجل الهندي الشرير. فالأبطال الطيبون الذين يتعاطف معهم المتفرج ويدق قلبه قلقاً وخوفاً عليهم هم الهنود الحمر من قبيلة السيوكس والذين يقدمهم السيناريو في صورة الرجال الشجعان المسالمين أصحاب التقاليد القديمة والعريقة، أما الأشرار فهم الرجال البيض من جنود الجيش الاتحادي، الذين لا يفيق بعضهم من السكر، والذين لا يتورعون عن سفك دماء الهنود الحمر المسالمين دون أدنى حق.

 

 

فيلم "الرقص مع الذئاب" ملحمة خاصة نجمها الوحيد هو "كيفن كوستنر"، الذي لعب دورا مهماً، لا هالات بطولية حوله. كما اختبر فيه قدراته الإخراجية لأول مرة. ولا ننسى أن نشير بان فيلم "الرقص مع الذئاب" هو ثاني فيلم وسترن في تاريخ الاوسكارات (63عاماً) الذي يفوز بجائزة أحسن فيلم. الأول كان فيلم (سيماروت- 1931) وكان أيضا دراما عائلية حول الاستيطان الأبيض في الغرب الأمريكي.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى