نقد

Dances With Wolfs من ذاكرة السينما (2-2)

فيلم "الرقص مع الذئاب" أحد النماذج البارزة لطبيعة الإنتاج الهوليودي الضخم، فقد رصد له منتجه خمسين مليونا من الدولارات وسخرت للفيلم إمكانيات مادية وبشرية هائلة، وذلك حتى يقدم الفيلم في صورة أقرب ما تكون إلى الواقع. وقد قام كل من المنتج والمخرج والمؤلف بدراسة كل التفاصيل الدقيقة لحياة وتقاليد الهنود في عام 1860، فأجريت دراسات وأبحاث على أسلوب الحياة في القرى الهندية وطريقة ارتداء الملابس وتسريحات الشعر ووضع الأصباغ على الوجوه، والأسلحة التي كانوا يستخدمونها وحتى اللغة التي كانوا يتحدثون بها.

 

 

ومن أجمل التقاليد التي اتبعها منتج الفيلم انه أصدر كتابا عن الفيلم في مائة وخمسين صفحة من القطع الكبير، يحتوي بجانب القصة الأصلية والسيناريو، على مجموعة من الصور النادرة التي التقطت أثناء تصوير الفيلم، كما يتضمن الكتاب التفاصيل الدقيقة لأسلوب الإنتاج والإخراج لكل لقطة من لقطات الفيلم. بحيث يمكن اعتبار هذا الكتاب مرجعا لعشاق السينما والمهتمين بها والدارسين لها في معاهد السينما المختلفة، وبحيث يمكن للمتابع العادي والمتفرج أن يكتشف كيف تنتج وتنفذ الأفلام الكبيرة في هوليود، حيث تدرس تفصيلات كل لقطة بدقة شديدة من العديد من الخبراء، وبحيث لا يترك شيء للصدفة. فكل شيء محسوب ومرسوم بدقة على الورق قبل التنفيذ. فإنتاج الأفلام- خاصة التاريخية منها- لا يتم هكذا اعتباطا وإنما نتيجة جهد وفكر ودراسة عشرات الخبراء وكل المسئولين عن الفيلم.

 

 

وبعد أن استقر رأى الكاتب والمنتج على الممثل كيفن كوستنر ليقوم بإخراج الفيلم، حتى بدأ الأخير في الحال البحث عن الموقع الذي سوف يتم فيه تصوير الفيلم، وقد اضطر المسئولون عن الفيلم إلى السفر إلى ثماني ولايات أمريكية بجانب كندا والمكسيك للبحث عن مكان كان يقيم فيه الهنود الحمر في القرن الماضي، حيث يجب أن تمتد المراعي الواسعة التي تخترقها الأنهار وتشرف عليها الجبال العالية المغطاة بالثلوج.

 

كما كان يشترط الموقع أن يكون قريبا من إحدى المدن حتى يتمكن طاقم الفيلم من الفنيين، الذين يزيد عددهم على المائتين من الإقامة في الفنادق، هذا بجانب الأعداد الكبيرة من الممثلين والكومبارس الذين يعدون بالآلاف. وبعد بحث طويل تم اختيار جنوب ولاية "داكوتا"، خصوصا بعد علمهم بوجود أكبر مزرعة لقطعان الماشية في العالم، حيث تحتوي على ثلاثة آلاف وخمسمائة رأس من الماشية.

 

 

واعتبر المخرج إن موافقة صاحب المزرعة على استخدام قطعان الماشية في التصوير هو بمثابة العثور على منجم ذهب، حيث أن من بين أهم مشاهد الفيلم. مشهد يقوم فيه البطل بالمشاركة مع أصدقائه من الهنود بمطاردة قطيع هائل من الماشية، حيث يقومون بدفع القطيع تجاه أراضيهم. وفى هذا المشهد استخدم المخرج للتصوير سبع كاميرات وطائرة هيلوكوبتر وعشر سيارات (بيك اب) وأربعة وعشرين راعي بقر على أعلى مستوى يقودون مائة وخمسين فارسا من الهنود الحمر الذين يركبون الخيل ويندفعون في جنون خلف قطعان الماشية التي بوقع حوافرها على الأرض تحدت اهتزازات شديدة عليها.

 

استطاعت مديرة الإنتاج في الفيلم "اليزابيث لوستنج" أن تتعاقد مع مئات من الممثلين والكومبارس الذين جاءوا من أصول هندية أمريكية، كما استطاعت أن تختار الشخصيات الهندية بحيث تتوافق تماما مع الشخصيات الهندية التي تظهر في الفيلم، كما أنها استطاعت أيضا أن تقنع أعداد كبيرة من الأمريكيين المنحدرين من قبائل "السيوكس" بالتعاون مع أسرة الفيلم والاشتراك فيه.

 

وقد صمم المخرج، زيادة في الواقعية، على أن يتحدث الهنود الحمر في الفيلم بلغتهم الأصلية وهي لغة "اللاكوتا"، ولما كانت هذه اللغة قد انقرضت حتى بين الأمريكيين المنحدرين من أصول هندية، فقد كان يجب على المخرج أن يبحث عن أستاذة في إحدى الجامعات الأمريكية هي "دوريس ليدر" لتقوم بتدريس هذه اللغة للممثلين، وترجمة أجزاء كبيرة من الحوار إلى لغة "اللاكوتا" ولتقوم أيضا بدور هام في الفيلم هو دور "بريتي شيلد" أو "الدرع الجميل". واستمرت بالتدريس لمدة ثلاثة أسابيع متواصلة حتى استطاع الممثلون النطق بهذه اللغة.

 

أخيرا، لا يسعنا إلا أن نؤكد بأننا أمام سيمفونية بصرية جميلة وتحفة فنية رائعة، كان وراء التفكير في إخراجها على الشاشة إمكانيات هائلة من الفكر والفن والجهد.. هكذا يكون الفن.. هكذا يكون الإبداع.. هكذا يكون الجمال.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى