نقد

Mirage .. عبور زمني مكاني يختلط خلاله الحقيقة والحلم والخيال

محمد كمال

المخرج وكاتب السيناريو الإسباني أوريول باولو الذي أدهشني في 2016 بفيلمThe Invisible Guest  أو الضيف الخفي وبالإسبانية Contratiempo أو مؤسف، بالطبع الاسم الإنجليزي هو الأقرب لأحداث الفيلم، حيث قدم جريمة قتل غير مكتملة الأركان لكن بالتفاصيل تكتمل تلك الأركان وينكشف الوجه الآخر لكل الأبطال دون استثناء.

 جريمة قتل يخرج منها خيوط متشابكة ينتج عنها حكايات مختلفة، حيث تعاد حكى القصة بنفس الأشخاص، لكن في كل مرة بتفاصيل مغايرة عن الأخرى، فمن كان برئ في الحكاية الأولى تجده مدان في الحكاية التالية والعكس، حتى التركيز في أدق التفاصيل لم يكن كافيا لحل اللغز، لأن مع حكاية جديدة نعود الى نقطة الصفر.

ونفس الحال في أول أفلامه الطويلة التي قدمها في 2012 والذي حمل اسم The Body  أوEl cuerpo وكان عن محقق يبحث عن جثة امرأة فقدت من المشرحة.

يواصل أوريول باولو إبداعاته في تجربته جديدة والتي للمرة الثانية يختلف ترجمة العنوان بالإنجليزيةMirage  أو السراب عن الإسبانية Durante la tormenta  أي خلال العاصفة في فيلمه السابق انتصرت الترجمة الإنجليزية لكن في الفيلم الجديد العنوان الإسباني يعد الأفضل والأقرب إلى الأحداث.

فيلمMirage  أوDurante la tormenta لا يقل في متعته وتشويقه وأيضا غموضه عن فيلم أوريول السابق ليؤكد إنه من أفضل مخرجي العالم في صنع تلك النوعية من الأفلام المرتبطة بالجريمة الغامضة لما يملكه من حرفة ودقة في سرد وتسلسل الأحداث وأيضا تغييرها باستمرار طوال مدة الفيلم.

 المتفرج مع هذا المخرج يكون مثل قطعة الصلصال يقوم بتشكيل وجهة نظره وقناعته على مدار الأحداث وفقا لرؤية أوريول التي يقدمها على الشاشة، ولا تجد أمامه سوى الاستسلام للحصول على أقصى درجات التركيز لأن أفلام هذا الرجل مليئة بالتفاصيل والأحداث المتلاحقة المتشابكة رغم قلة شخصياته مقارنة بأفلام أخرى لديه القدرة على إعادة عرض الحكاية على لسان كل الشخصيات مع الحفاظ على تماسك الحبكة الأساسية وعدم الإخلال بإيقاع فيلمه.

في Mirageالحبكة أكثر تعقيدا عن The Invisible Guestالذي كان فيه معلوم للمشاهد الضحية والجاني أما في Mirage نجد أنفسنا أمام قصتين أو حياتين متوازيتين لا يربطهما سوى تليفزيون قديم وكاميرا فيديو وعاصفة حدثت عام 1989 وتكررت بعد 20 عاما هذه العاصفة تستمر لمدة 72 ساعة.

يسرد أوريول تفاصيله المعقدة المتشابكة على مدار ساعتين ليخلط فيها الحقيقة والحلم والخيال بين نيكو لاسارتي الطفل الذي كان شاهدا على جريمة قتل جارته وفيرا روى الذي سكنت في نفس منزله أثناء العاصفة الثانية لتستيقظ من نومها لتجد ان حياتها تغيرت تماما فلا وجود لابنتها وزوجها ومنزلها وحتى العمل لتجد أن أمامها 72 ساعة فقط مدة العاصفة لتكتشف الحقيقة ولتستعيد حياتها السابقة.

يزداد تعقيد الحبكة ففي الفيلم السابق اعتمد أكثر على مشاهد الفلاش باك في إعادة تفاصيل الجريمة من منظور كل الأبطال أما في Mirage اعتمد على المونتاج المتوازي ليسرد تفاصيل الحادثتين الذي يفرق بينهما حاجز زمني 20 عاما كأن الاحداث تسير خلال روايتين إحداهما في الماضي والأخرى في الوقت الحاضر.

يعد خافيير جوتريز الذي قدم دور الجار أنخيل بريتو أكثر الممثلين الإسبان قربا الى قلبي الذي قدم في 2018 الفيلم الجميل Champions الذي اختارته إسبانيا لتمثيلها في ترشيحات أفضل فيلم أجنبى،صحيح أن مساحة دور جوتريز مع أوريول في الفيلم الجديد كانت أقل نوعا ما من أدواره السابقة لكن يظل أدائه الأكثر تأثيرا وقوة بعد بطلة الفيلم أدريانا أجارتى التي كانت بطلة آخر أفلام المخرج الإسباني الكبير بيدرو المودوفار Julieta،لكن نجدها في Mirage تقدم بشكل أفضل على مستوى الأداء و الحضور والانفعالات و تغيير نمط الأداء ليكون متوافق مع التحولات التي تحدث لشخصية فيرا.

مع زيادة التجارب والمحاولات أصبحت السينما أكثر تطورا في نوعية الأفلام الخاصة بالجريمة الغامضة لكن اتساع وتعميم القاعدة صعب من مهمة صناع تلك الأفلام في إقناع المشاهد بالحبكة، لكن خلال التجربة الثالثة لأوريول باولو نجده قادرا على الخداع والإقناع وجعل المشاهد منبهرا بما يقدمه على مدار احداث أفلامه وتجربته المقبلة ستكون خير تأكيد على ذلك.
 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى