ريفيو

Monsieur hire عندما يكون للفيلم رائحة عطر

لا يهم إن كنت تحبني أم لا فحبي لك يكفينا نحن الاثنين 
 

محمد اليسوف

Monsieur hire

سيناريو: باتريس لوكونت وجورج سيمنون 
إخراج: باتريس لوكونت 
بطولة: ميشال بلانك "مسيو ايير"
ساندرين بونيه "اليس" 
تصوير: ديفين لينوار 
موسيقى تصويرية: مايكل نيمان
 
فيلم في منتهى العذوبة والرقة مقتبس من رواية بوليسية لجورج سيمنون "خطوبة مسيو ايير" اصدرت في الثلاثينات، وأصدر الفيلم في نفس العام الذي رحل فيه جورج سيمنون وحيدا في هذا العالم.

ولكن لوكونت لم يهتم للجانب البوليسي من القصة على حساب الموضوع الرئيسي " وهو الحب العذري " الذي يشعر به مسيو ايير تجاه جارته "أليس".
 
يتحدث الفيلم عن جريمة قتل لفتاة في الحي الذي يسكن فيه مسيو "ايير"، ولأنه مكروه من قبل جميع سكان الحي يصبح المشتبه الأول في هذه الجريمة، ويتم ملاحقته من قبل المحقق محاولاً إثبات تورطه في الجريمة بكل الطرق. 


"ايير" لم يكن شخصاً عدوانياً بقدر ما هو انطوائي وغارق في عزلته ولكن رابطه الوحيد في هذا العالم هي جارته المنتقلة حديثاً إلى باريس "أليس" التي يراقبها صباحاً ومساءً من خلال شرفته.

 إن شخصية ايير بقدر ماهي تحمل الكثير من التناقضات إلا أنها مباشرة وبإمكانك التعرف عليها عن قرب من خلال خيوط شاعرية حاكها لنا "لوكونت" بطريقة عذبة.

غرفته المظلمة والمرتبة، هو شخص أنيق يعتني بهندامه بانتظام، فعندما يبدأ بمراقبة "أليس" نراه يلبس سترته السوداء وكأنه يشعر بأنها معه الآن داخل غرفته. ظلام الغرفة لا يمنع شعاع النور الداخل من شرفة "أليس" أن يضيء وجهه فقط، وكأن تلك الشرفة هي نور العالم الذي يحتويه، يستمع مسيو "ايير" لموسيقى مايكل نيومان تخرج من آلة الفونوغراف ليحي فينا تلك الهالة الشعورية التي تصل بنا إلى درجة النشوة ولا نريدها أن تنتهي. 

Monsieur hire

شرفتها صغيرة ولكنها كانت عالمه الأكبر، كان لا يدخن ولكن سيجارتها تخرج من أنفاسه، كانت الصمت الذي ينصت إليه أينما ذهب.
 
نتابع علاقة "ايير" مع الحيوانات، الفئران وطيور الحمام، كيف يرى نفسه أو كيف يرى العالم الآخر؟ الفئران تمثل وحدته القاتلة، أما طيور الحمام عندما يطعمها وكأنه ينشد منها حرية لا منال لها، وكأنه الحمام، و"أليس" هي التي تطعمه السم.
يروي "ايير" لعاهرة قصة العجوز التي كانت تطعم الحمام على مدار سنوات في حديقة والجميع سعيد برؤيتها ليكتشفوا بعدها أنها كانت تطعمهم السم وأنها قتلت الكثير منهم متخفية وراء ابتسامتها البريئة.

"أليس" غارقة في حب خطيبها، ومستعدة أن تفعل كل شيء ليبقى بجانبها، تقول له "لا يهم إن كنت تحبني أم لا فحبي لك يكفينا نحن الاثنين"، تلك الجملة ستشعر بأن مسيو ايير تخرج من شفاهه عندما كان يراقبها وهي تتبادل القبلات مع خطيبها في غرفتها الصغيرة.
 
وفي ليلة رعدية تكتشف غفلة أنه يراقبها حتى في لحظة منامها، فتخاف لوهلة وتشعر بالشفقة تجاهه، وتحاول أن تتقرب منه مدفوعة بأسبابها المبهمة، تقترب منه في يوم فتسقط حبات الطماطم أمام منزله متعمدة، لتتناول تلك الحبات بينما هو أصابه الذهول لأن عالمه أصبح أقرب فأقرب، تدخل معه حبة طماطم داخل منزله، عالمه الآن أصبح داخل غرفته المظلمة! 

تقترب "أليس" أكثر منه فتزوره في يوم من الأيام محاولة التعرف على عالمه، تجده شخصاً غامضاً بينما هو يريدها لأنه ملّ وحدته القاتلة، يرفض لمسها ويشتم رائحة عطرها على سريره، فيبدأ بمحاولة اكتشاف عطرها حتى لا تفارق أنفاسه لا وقت صحوه ولا وقت نومه، بينما هي تحاول لمسه والاقتراب أكثر يقول لها أن لا أحدا يقع في حب شخصين، وأنها تريده فقط لكي يتستر على جريمة قد رآها قام بها خطيبها.

و تبدأ الشبهات تزداد على من هو قاتل الفتاة ولكن ايير يرفض البوح بالأدلة من أجل أليس، يعرض عليها أن ترحل معه أن تترك كل شيء خلفها بينما هو مع عالمه في أي مكان، وعندما يستعد للرحيل يرمي الفئران المتمثلة بوحدته على سكة القطار لقد حان وقت الرحيل ينتظر وهو مدرك أنها لا تحبه ولكنه سيضحي بكل شيء من أجلها بينما يعود "مسيو ايير" لكي يرى تلك الحقيقة التي لم تشعره إلا بالمرار، يمسك منديلا في يديه ورائحة عطرها لا تترك أنفاسه، وهو يهرب ليس خوفا من اتهامه بجريمة قتل لم يرتكبها ولكنه اراد الاحتفاظ بصورتها داخل عيونه، بينما يتجمع سكان الحي حول مسيو ايير الذي احتفظ برؤية اليس للمرة الأخيرة هذه المرة على شرفته التي ازدادت عتمة بعد رحيله.

لقد تخيل سعادة لم يعشها يوما، فقط في رسالة بعثها للمحقق يرجوه أن يحترم سعادته مع اليس التي يحبها بشعرها الأشقر وابتسامتها الساحرة، وأنه يعيش الآن بعيدا عن كل شيء معها فقط وترك هذا العالم المظلم إنه يشعر معها بالأمان، هكذا صورتها كانت لا تغادر ذاكرة ايير حتى وهو على حافة الموت.

رشح الفيلم لجوائز كثيرة في كان وسيزار، شاهدت أكثر افلام باتريس لوكونت، "زوج مصففة الشعر" و"فتاة على الجسر" ولكن يبقى "مسيو ايير" الاقرب لي، والأكثر شاعرية أن هذا الفيلم فعلا يشبه رائحة عطر تعبق في كل مكان.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى