نقد

Parasite لـ “بونج جوون هو”.. صراع في المسافة ما بين عالمين

علي الضو

يعتبر فيلم "Parasite/طفيلي" للمخرج الكوري الجنوبي "بونج جوون هو" الحائز على جائزة "السفعة الذهبية" بمهرجان كان لعام 2019 أحد اهم "المرتقبات" لهذا العام، فهو خطوة أخري للأمام في طريق الانتشار والعالمية التي تسير فيه السينما الكورية الجنوبية بدأب واجتهاد منذ ما يقارب العقدين.

ذاك الطريق الذي يُعد ثمرة لما حدث من تطورات وقفزات علي مستوي صناعة السينما في كوريا الجنوبية منذ حقبة التسعينيات، في خضم ما عرف بالـ"New Wave" أو الموجة الكورية الجنوبية الجديدة، التي قامت علي أكتاف مجموعة من صناع السينما المحلقين خارج السرب، لتُحدث تغيراً جذرياً في المحتوي الفني الذي تقدمه السينما هناك، وتطرح العديد من المواضيع السياسية والاجتماعية والفكرية الهامة والشائكة، واستحداث قوالب جديدة كالـ Neo Noir وسينما الشعر والفانتازيا، حطمت أطر الدراما التقليدية وتأثرت بالعديد من المدارس الفنية الغربية والأجنبية. 

 

 

يبرز اسم "بونج جوون هو" وسط هذا الجيل من المبدعين كمخرج ذو لمسة فريدة يمتلك تعويذته الخاصة النابتة من قلب الواقع والمتزينة بجماليات السينما، التي تجعل منه محط أنظار واشادة الجميع من نخب وجمهور على حداً سواء.

يبني "بونج" عالمه على معضلة إنسانية يتصل بها مجموعة من البشر كلاً منهم يحمل رؤيته الخاصة المتباينة مع الأخرين، ثم سرعان ما تدور عجلة الأحداث ليبدأ كل طرف بالتعامل مع المعضلة بناء على رؤيته الخاصة، ليجد ذاته أمام سبل مليئة بالعقبات والتشابكات عصية الحل، ليصبح الموقف العام حرجاً ومعقداً، وحل المعضلة مسألة تقع على ميزان الجدل.

يأتي هذا ضمن قالب درامي متنوع يتنقل بسلاسة ما بين الغموض والميلودراما والكوميديا ويحمل بين طياته العديد من الأفكار والقضايا الهامة التي يجسدها السرد والحوار وتعكسها عدسة الكاميرا على الشاشة. 

 

 

علي ذات المنوال يسير فيلم "Parasite" الذي يقدم لنا في البداية أسرة فقيرة تعيش في ظل أوضاع مزرية، الا أنها لم تتخلي طوال الوقت عن روحها المرحة وتطلعاتها التي تدفعها وبدون تردد لاستغلال شتي الفرص لتأمين حياة أفضل لذويها المُعدمين.

تأتي الفرصة الذهبية لهذه الأسرة البائسة علي يد صديق يفتح أبواب عالم الأثرياء أمام أحد افرادها على مصراعيه، ليقتحم على أثره بقية افراد الأسرة هذا العالم، وتبدأ عملية التغلغل داخله بكل السبل الملتوية منها حتى تأتي لحظة القدر التي تعصف بمخططهم الماكر وتضعهم في مأزق خطر للغاية. 

الفجوة الطبقية تشكل العصب الأساسي للفيلم، فهو مناقشة درامية ثرية للفروق الطبقية وانعكاساتها على وعي وسلوكيات وقيم كلاً من الطبقتين الكادحة والعليا، لكن الفقراء كان لهم نصيب الأسد من التركيز الدرامي وتسليط الضوء على مدار الفيلم.

 

 

ينطلق الفيلم من القبو التي تقطن به الأسرة الفقيرة لتعرفنا بأفرادها وسماتهم المميزة وظروفهم وتوجهاتهم وطموحاتهم المبنية على تلك الظروف، دون أهدار للوقت في التركيز على تفاصيل قد لا تفيد الفكرة أو السياق الدرامي، وهو اسلوب متكرر في أعمال "بونج هو" الذي يسخر مجهوداته لخدمة الفكرة ويبتعد عن الغرق في التفاصيل حتى ولو كانت ستثري الحالة الدرامية للفيلم.

ينتقل الفيلم بعد ذلك إلي بيت الأثرياء ليعرفنا إلى أفراده وأهم سماتهم وأسلوبهم وعالمهم الذي يتناقض كلياً مع حيثيات عالم الفقراء. 

يلعب التناقض دوراً مهما وأساسيا في سرد الفيلم وتوضيح فكرته المحورية، حيث يجسد على مدار الأحداث حجم الفجوة الأخذة في الاتساع بين طرفي القصة والشقاق الذي لا يمكن رأبه والذي يُخلف حالة من الصراع المحتدم والكامن داخل تفاصيل اللغة والسلوك بين الطرفين؛ فمن جهة يحلم الفقراء بالصعود والحلول محل الأغنياء كحل لأزمتهم وعلى الجانب الأخر يسعي الأثرياء لتوطيد استقرارهم عبر وضع حد فاصل لا يمكن تجاوزه بينهم وبين الفقراء لكنه يحمل من البراح ما يخول لهم الاستعانة بهم للحفاظ على مستوي رفاهيتهم.

 

 

باستخدام القطع والانتقال المفاجئ من طرف لنقيضه وترتيب التسلسلات الدرامية والمشاهد بشكل متقن أستطاع المخرج أن يُنطق الصورة بما قد لا يذكره الحوار ويجعل التناقض حالة مُجسدة وجلية امام المشاهد.

 يبدأ الصراع بالاحتدام بداية من الفصل الثاني من الفيلم ليدخل إلى السرد عنصر جديد يزاحم التناقض في دوره الدرامي الا وهو عنصر "التشويق" الذي يرتفع وقعه تدريجياً مع تقدم الأحداث ودخول عناصر جديدة على خط الدراما يهدد وجود الأسرة الفقيرة داخل عالم الأثرياء في مهب الريح ويخلق حرباً ضروسا عمادها الرغبة في البقاء ووقودها طموحاً قد تنسد عنه الشمس في اي لحظة.

ينبني التشويق في هذا الجزء على أكثر من عنصر أبرزها: (المصادفات غير المتوقعة والتي تزيد من تعقيد الموقف، التهديد المحقق الآتي من الطرف الغائب عن المشهد، المخاوف المتجددة من الأخطار والمفاجئات غير المتوقعة،)، تكتمل الحالة باستخدام تقنيات التشويق التقليدية مثل القطع والانتقال السريع ما بين اللقطات والتركيز انفعالات وردود أفعال الشخصيات على الأحداث إلى جانب الموسيقي التي جاءت متماشية بشكل مثالي مع وقع الدراما.

 

 

 ننتقل إلى الفصل الأخير حيث يصل التناقض إلى ذروته ليتحول إلي صدام مباشر دموي وعنيف بين أطراف الصراع وتنقلب حالة التناغم الظاهرة التي تخفي تحتها لعبة استغلالية يحاول فيها كل طرف امتصاص الأخر قدر الإمكان إلى معركة قطبية ينحاز كل طرف فيها إلى معسكره ويبرز ما كان يخفيه تحت جلده.

 نهاية الفيلم حملت من التشاؤم بقدر ما حملته من الفانتازيا ومحاولة إيجاد مخرجاً للأزمة من خارج سياق الواقع، هكذا كان الفيلم منذ البداية تناول خيالي لأزمة واقعية لا يحاول أن يجد حلاً بقدر سعيه لتسليط الضوء على جانب حالك من الواقع البشري.

 في نهاية تتلاشي كل التفاصيل والأحداث ويبقي عنصرين أساسيين شكلا العماد الأساسي للمشهد وأولهما الطموح الذي تجسد على هيئة أحلام يقظة ترسم نهاية سعيدة لدائرة الشقاء الخانقة وثانيهما الواقع الذي لا فرار منه سوي بالتغيير الذي يحتاج إلى ما هو أكثر من الأمنيات.
في نهاية المطاف نري بوضوح كيف ينبت "التطفل" من قلب العدالة الغائبة وانسداد الأفق لكنه في المقابل لا يعدل الكفة بل يلقي بالجميع في ظلمات "قبو" من الضياع.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى