نقد

the platform عالم على منصة الحفرة

مروان مجدي حبيب ‎

يُمَثل الفيلم الإسباني the platform للمخرج (جالدير جازتيل اوروتيا) فكرة مليئة بالمعاني الرمزية، وموضوعات عديدة من سيكولوجية الفرد وصولاً إلى وجوديته أمام الصعوبات والأسباب النبيلة التي تُحَرِك الفرد في نضاله لإيجاد المثالية، ويُعَد الفيلم خير مثال على مصطلح (سينما الخيال الواقعي)، وأيضا ه وأحد أكثر الأفلام إثارة للجدل والتساؤلات منذ عرضه على منصة (نيتفليكس).

1-قواعد الحفرة

 ديستوبيا هرمية سينمائية تَمُس الواقع بشكل مباشر من خلال الخيال، ناقضة بشكل عام توزيع الثروة تحت نظام الرأسمالية، مع إبراز الفجوة الطبقية بشكلها القميء من زوايا أكثر شمولاً وبشاعة.

وللحديث عن (the platform) ا وكما يُطلَق عليه (المنصة) أو (الحفرة) يجب أولاً أن نفهم نظام الحفرة وماهيتها، الحفرة هي عبارة عن مشروع تم تنفيذه من خلال منظمه لم يتم ذِكر اسمها، يتم من خلاله وضع الأفراد في مكان أشبه بالسجن أسطواني التصميم الهندسي يتكون من 333 مستوى حيث يتعايش شخصان في كل مستوى.

أسطوانية تصميمه الهندسي تُذَكِرنا بتصميم الفيلسوف الإنجليزي (جيرمي بنثام) عام 1785 لسجن (بانوبتيكون) والذي يسمح بالرقابة على المسجونين دون أن يكون المسجونين قادرين على معرفة إذا كانوا مُراقَبين أم لا.

هؤلاء الأفراد يدخلون لنظام الحفرة طواعية أو في بعض الأحيان كعقاب لارتكابهم جريمة، ويتراوح الوقت الذي يمكن للفرد قضاؤه في الحفرة من شهور إلي سنوات، من المستوي الأول إلي المستوي رقم 333، تنزل منصة محملة بالطعام تتوقف لفترة معينة في كل مستوى.

2-معضلة الحفرة..موتك حياتي

تَكمُن المعضلة في أنه كلما هبطت المنصة للأسفل كلما قل الطعام عليها حتى يتلاشى تقريباً من بعد المستوي الستين، كمعادلة يعرضها علينا الفيلم مع نزول المنصة يقل الطعام وبالتالي يفقد الإنسان ضوء العقل والمنطق فبالتالي قد يكون أكل البشر بعضهم البعض شيء بديهي تلخيصاً للمقولة اللاتينية الشهيرة “موتك هوحياتي”.

يوضح لنا الفيلم من اللحظة الأولي أن بالحفرة ثلاثة أنواع فقط من الأشخاص، مَن هم بالأعلى ومَن هم بالأسفل ومَن يسقطون، والفرق بين الثلاثة هو الحظ، فليس بمقدور أحد أن يختار في أي مستوي سيتم تقييده كل شهر، حيث يتم تنويمهم بالغاز ثم إيقاظهم في بداية الشهر الجديد، وقد تكون من بين أولئك الذين يحصلون على طعام وافر، أو أولئك الذين يعانون من نقص الطعام، أو قد تكون من الذين يسقطون.

نواجه هذا التشبيه بشكل أو بآخر في الواقع حيث يرتبط الكثير منا مستواه الاقتصادي بالمكان الذي وُلِدَ به أكثر مما يتعلق بما كافحنا من أجل تحقيقه، إنها كما يَذكُر المخرج (جالدير جازتيل أوروتيا) صدفة تحدد حياتك، فتلعب أنت الدور الذي عليك أن تلعبه، في عالم يهدر فيه أكثر الناس حظاً موارده، دون التفكير في وجود أجزاء أخري من الكوكب يَندُر فيه الشيء نفسه، إنه عالم مُقدَر له أن يضع الفرد فوق المجتمع.

لو كنت من أحد سكان المستويات العشرة الأولي هذا الشهر حيث الطعام الوفير، فأنت على يقين بأنك قد تكون أحد سكان المستويات السفلي في الشهر القادم، بالرغم من ذلك فشعورك بالتميز هذا الشهر يجعلك تتعامل مع مَن هم بالأسفل بشكل سادي خالي من ملامح الإنسانية، يُظهِر لنا الكاتب (ديفيد ديسولا) من خلال عدسة المخرج (جالدير جازتيل أوروتيا) هذا الفعل السادي كفعل بديهي وبشري لأقصي الحدود.

3-الإنسان ذئب لأخيه الإنسان

يعزز هذه الرؤية البديهية تجربة اجتماعية قامت بها (جامعة ستانفورد)، التجربة عبارة عن اختيار مجموعة أفراد بشكل عشوائي، ليس لديهم أي قاسم مشترك وقسموهم إلى مجموعتين، مجموعة تلعب دور الشرطة والأخرى تلعب دور السجناء، بعد أسبوع تم تعليق التجربة، لأن مستوي السادية الذي تم الوصول إليه كان صادم لفريق البحث، أو كتجربة (الأخوين دوك) في الفيلم الكوميدي trading places عام 1983 للمخرج (جون لانديس).

يحاول بطل قصتنا بعد دخوله في النظام بإرادته التامة أن يغير سلوك سكان الحفرة لكن بلا جدوى فمَن بالأعلى لا ينتبهون حتى لوجود أحد بأسفلهم، ومَن بالأسفل يستمعون إليه فقط عندما يهددهم بالتغوط في طعامهم كنظام فرض العقوبات كسلطة عليا.

من أجل البقاء قد يضطر أحد شركاء المستويات السفلي التي لا يصل إليها الطعام بالتقطيع من لحم شريكه الأخر والأكل منه، هذه المشاهد التي أثارت استياء الكثيرين ممَن شاهدوا الفيلم، وبالتمعن في مثل تلك المشاهد سوف تراها بديهية وما هي إلا تمثيل لما نقوله حتى بلهجتنا المصرية “الناس هتاكل بعضها” تعبيراً عن الجشع.

هذه المشاهد ما هي إلا إقرار بواقع نعيشه ونراه في العالم يومياَ، فمهما كانت الحقيقة مؤلمة إلا أنها تظل حقيقة، وكلما كان الواقع سيء ويُنذِر بانهيار قيم المجتمع وملامح الإنسانية، كلما وجب التنبيه بأكثر الطرق فجاجة للفت الانتباه ربما.

رؤية التضامن العفوي التي من المفترض أن يسير عليها النظام بالحفرة والتي تفترض أن كل مستوي يتم تناول الطعام بحصة من السعرات الحرارية اللازمة لكل فرد، رؤية مثالية وطموحة جداً لدرجة تجعلها مستحيلة التنفيذ، وكان الفيلسوف الإنجليزي (توماس هوبز) على حق عندما قال “الإنسان ذئب لأخيه الإنسان”.

4_العبقري النبيل..جورنج

يختار جميع النزلاء شيئاً يأخذونه معهم طوال فترة الإقامة المحددة مسبقاً، اختار بطل قصتنا إحضار رواية (دون كيشوت) للمؤلف (ميجيل دي ثيربانتس) والذي قد يبدو اختياراً ثقافياً الهوى هو محركه الأساسي، إلا أنه في الواقع مرآه للمعني الذي يرسله الفيلم.

في اللحظة التي يجد فيها بطلنا (جورنج) نفسه في المستوي السادس حيث يتمتع بامتياز تناول أي طبق يريد، لكنه يقرر أن يأخذ على عاتقه مسؤولية التغيير، وأن يوصل رسالة حقيقية للإدارة غير المعروفة، والتي يتم ذكرها باستمرار، لذلك اختار (جورنج) النزول إلى الحفرة وتوزيع الطعام بقدرٍ من التساوي بمساعدة زميله الجديد ذو البشرة السوداء (بهارات)، إشارة إلى أن الحفرة تحتوي على كل أنواع البشر، وكان قد تم الإشارة لوجود مسلمين أيضا.

الفكرة التي يقوم (جورنج) مثالية وأخلاقية بالمعني الخيالي للمصطلح، إن (جورنج) و(بهارات) هم انعكاس لـ(الونس وكيخانو) و(سانشوبانثا) في رواية (دون كيشوت) التي رافقة (جورنج) طوال فترة إقامته في الحفرة.

الجانب الأكثر من رائع للمتفرج للفيلم ليس فقط إدراك الصراع الطبقي المتأصل في توزيع الثروة، إنما هو كيفية تفسير بعض نقاط الأدب الكلاسيكي مثل رواية (دون كيشوت)، وتصميم الحفرة الهندسي مثل تصميم سجن (بانوبتيكون)، والذي قد يري آخرين الحفرة مثل جحيم (دانتي ألغييري) في (الكوميديا الإلهية)، وسلوك (جورنج) الفادي والشجاع مثل السيد المسيح الذي كان حاضراً بوضوح في ملامح (جورنج).

5_المستوي الأخير والرسالة

مع نهاية الفيلم يتعاون (جورنج) و(بهارات) لركوب المنصة من المستوي السادس نزولاً حتى المستوي الأخير لضمان حصول كل شخص على حصته من الطعام، وفي النهاية وصلوا إلى نقطة لم يعد بها أحد على قيد الحياة لكن المنصة تستمر في الهبوط مع الحفاظ على (الباناكوتا) اعتقادا منهم أنها الرسالة المثالية التي قد يرسلوها للإدارة حتى المستوي الأخير رقم 333 للاستعداد للعودة إلى أعلى مرة أخري مع (الباناكوتا) باعتبارها رسالة للإدارة أن الطعام كافي.

رسالة تبدوا ساذجة وبلهاء فالإدارة بالتأكيد على علم بأن كمية الطعام أقل بكثير من ساكني الحفرة، خلال هذا أكتشف (جورنج) طفلة تختبئ تحت أحد الأسرة يدرك المتفرج على الفور أنها ابنة (ميهارو) لتشابه الملامح المنغولية.

(ميهارو) هي امرأة تعتلي المنصة مرة في الشهر هبوطاً وصعوداً للبحث عن ابنتها أو بتحليل أخر لضمان وصول بعض من الطعام لابنتها في المستويات السفلى، الطفلة تتضور جوعاً مما يدفع جورنج للتخلي عن (الباناكوتا) للطفلة لسد جوعها، نري الطفلة نائمة على المنصة العائدة إلى الأعلى بعد أن أكلت الحلوى وينتهي الفيلم.

قد تكون الرسالة في الطفلة التي تحقق فيها معني التضامن العفوي، فبالرغم من أنها كانت تسكن مستوي الأخير، إلا أن هناك من كان يضمن وصول الطعام لها، النهاية تترك قدر كبير من الأسئلة في عقل المتفرج تبدأ مع كلمة النهاية، قدر كبير من الأسئلة وقدر أكبر من الأمل في أن تفهم الإدارة المغزى من الرسالة، في وصف عام للفيلم قبل عرضه الأول قال المخرج “الفيلم ليس انتقادا لمَن هم بالأعلى وليس عداء لمَن هم بالأسفل، إنما هو معرض للواقع، نطرح على أنفسنا أسئلة ونريد مشاركتها مع المشاهد للمساهمة في نوع من التفكير في توزيع الثروة”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى