نقد

Uncut Gems: المقامرة أسلوب حياة

 

محمد كمال

 

يأتي فيلم "Uncut Gems" ليؤكد أن النصف الثاني من 2019 كان أفضل للسينما الأمريكية من النصف الأول وتحديدا في أخر شهرين، ويؤكد أيضا تفوق 2019 بمراحل عن الأعوام السابقة حتى 2014 الذي كنت أعتبره العام الأقوى للسينما الأمريكية، فعلى خطى المخرج المجري "لازلو نيميس" يسير الأخوين صافدي "بيني وجوش" من خلال استخدام أسلوب خاص في السرد الذي يبدو للمشاهد مرهقا ومجهدا بل ومزعجا أيضا ففي "Uncut Gems" نجد ارتفاعا كبيرا في وتيرة الأحداث وسرعتها والتنقل الدائم للكاميرا على الشخصيات من خلال استخدام اللقطات القريبة والمتوسطة.

 

 

طريقة الحوار كانت صاخبة معظم الشخصيات شديدة الصياح والتوتر والعصبية والحديث المتتابع وزحام الشخصيات في المشهد الواحد، وهو الأسلوب المفضل للأخوين صافدي "بيني وجوش" وقدما نفس الطريقة في فيلمهما السابق "Good Time" لكن الفارق أن هذا الأسلوب في السرد خلال الفيلم السابق لم تحتمله بساطة القصة، لكن في فيلمهما الجديد جاء مناسبا تماما لحبكة الفيلم وطبيعة شخصية "هاورد" التي قدمها الممثل آدم سندلر.

 

هاورد يمتلك متجر مجوهرات في نيويورك وهي التجارة التي يسيطر عليها اليهود في أمريكا، تتراكم عليه الديون بسبب المقامرة والمراهنات الدائمة لكن هارود ليس فقط مدمن للمقامرة بل تخطى هذه الكلمة بمراحل، فالمقامرة لديه أسلوب حياة كأنه يسير داخل دائرة مفرغة لا يخرج منها أبدا، المقامرة لديه تأتي بشكل متتابع ومتواصل بصورة سريعة، بمجرد الحصول على المال يدخل في نفس اللحظة في مقامرة جديدة دون التفكير في تسديد ما عليه من ديون، الأمر لا يحتاج منه حتى التفكير في ضرورة المجازفة، ومن هنا جاء المبرر لاستخدام هذه الطريقة في السرد، فالفيلم كان أشبه بثنائي في حلبة الملاكمة، الفيلم هو الملاكم الأقوى يقوم بحصر المشاهد في أحد أجناب البساط وينهال عليه باللكمات السريعة القوية لكن من دون ضربة قاضية.

 

 

 

يبدأ الفيلم بمشهد لمنجم في أثيوبيا حيث يقومون باستخراج حجر كريم وينتج عن تلك العمليات إصابة بالغة الخطورة لعمال المناجم من يهود الفلاشا (يهود إثيوبيا) ثم ينتقل الفيلم إلى مدينة نيويورك حيث يصل الحجر الكريم إلي هاورد اليهودي أيضا الذي يرى أن هذا الحجر هو السبيل الوحيد لتسديد ديونه المتراكمة، يطلب كيفن جارنيت لاعب فريق سلتكس بوسطن لكرة السلة استعارة الحجر ليجلب له الحظ فيوافق هاورد نظير استعارة خاتم قيم من كيفن، لكن هاورد المقامر يقوم برهن الخاتم ليسدد دين آخر، يستعد هاورد لطرح الحجر في المزاد لكنه يقع في مأزقين الأول صعوبة استعادة الحجر من كيفن، والثاني قيام المسئولين عن المزاد بإعطاء قيمة نقدية نظير البيع أقل مما يتوقعه هاورد.

 

 

السرعة الكبيرة التي كانت سمة الفيلم جاءت متماشية مع طبيعة حياة هارود فالأحداث فيها سريعة صاخبة ما بين محاصرته داخل مطاردات الدائنين ومن ناحية أخرى طريقته في الخروج من أزماته والتي تسمى بالمعنى الدارج (لبس ده لده) أي أنه يسدد الدين بدين أو رهن آخر أكثر من استخدامه طريقة التسويف، علاقاته التي يشوبها التوتر سواء مع أسرته (زوجته وثلاثة أبناء) وحبيبته جوليا ومن يعملون لديه في المتجر حتى مع أصدقائه من اليهود وسط كل هذا تظهر شخصية هاورد أكثر هدوء من كل السابق ذكرهم يحمل قدر كبير من الهدوء النسبي والثبات الانفعالي وسط هذا الحصار الكبير من الصخب والضجيج والعصبية فالمقامرة أيضا جزء أساسي من حية هاورد الاجتماعية فهو يسعى للمراهنة بوجود أسرته معه وأيضا علاقته بعشيقته.

 

 

صورة جديدة للمقامر قدمها هذا الفيلم، صورة أكثر إنسانية حول التناقضات التي تحملها شخصية هاورد فما يظهر من طاقة حب لأسرته وأصدقائه وعشيقته إلا أنه أيضا نفس مقدار الحب للمقامرة دون إظهار أي بوادر تفكير في الانسحاب أو التراجع عن مقامرته المستمرة بل دائما يؤكد على أن المقامرة جزء رئيسة في تركيبته الشخصية، بمجرد الحصول على الأموال يشرع على الفور في الدخول إلى مقامرة جديدة، وبرع الثنائي الأخوين صافدي في تقديم صورة جديدة لحياة المقامر، وفي الربط بين الأحجار الكريمة وذكرها في كل الأديان ودورها في العلاج فبعد المشهد الأول انتقلت الكاميرا من الحجر في إثيوبيا لتصل نيويورك في عملية منظار أو سونار لقولون وطحال هاورد لإثبات العلاقة الوثيقة بين الأحجار الكريمة وجسم الإنسان.

 

 

يعد دور هاورد راتنر أفضل وأهم دور في مسيرة آدم سندلر المتواضعة صاحب الأفلام السيئة التي أثرت كثيرا على تقبل الجمهور والنقاد له وجعلهم يتشككون حول امتلاكه للموهبة من الأصل، لكن فيلم "Uncut Gems" يؤكد موهبة سندلر التمثيلية الكبيرة وأن المسألة فقط تخضع لسوء الاختيارات، ويبدو أن سندلر وجد ضالته أخيرا وسيحمل نقطة تحول في مساراته واختياراته القادمة لأنه بالتأكيد تذوق مذاق الإشادات النقدية للمرة الأولى ليس عليه كممثل فقط لكن على عمل يشارك فيه، في مغامرة تعد مقامرة لسندلر نفسه مثل الدور الذي قدمه، وكأنه الرهان الأخير له لكنه عكس هاورد فآدم سندلر ربح الرهان بجدارة.

 

 

 

 

 

  

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى