نقد

أبو زعبل 87.. حينما تصبح السينما علاجا للنفس

عبد الكريم واكريم

لا يمكننا مشاهدة فيلم “أبو زعبل 87” للمخرج المصري بسام مرتضى، الذي توج اليوم كأفضل فيلم مصري لسنة 2025  من طرف جمعية نقاد السينما المصريين، ونظل محايدين اتجاهه، إذ أن المخرج انغمس في تيمة فيلمه كليا ليصبح جزءا منها، فالشخصيات التي تابعها  في فيلمه تُكَوِّنُ جزءا من حياته، وكان لابد له أن يُصَفِّي حسابه معها ومع نفسه لِيَتَطَهَّرَ من خلال إنجاز هذا الفيلم، وكأنه أمام مُعالج نفساني يطالبه بالحكي بالصورة كي تخرج العُقَدُ المتكلِّسَةُ في الأعماق ولا تظل عالقة بالنفس إلى الأبد، تعذِّبُها عذابا أليما.

يسترجع بسام مرتضى طيلة لحظات الفيلم، مع أبيه ثم مع أمه، فترات قاسية حدثت في طفولته وخلخلت توازن أسرته وهزت استقرارها وطبعت شخصيته للأبد بشكل سيء، وذلك حينما تم اعتقال أبيه أواخر الثمانينات من القرن الماضي ضمن مجموعة من المعتقلين النقابيين اليساريين بعد اعتصامهم واحتجاجهم على غلق معمل للصلب وضد تشريد العمال، لِتُلَفَّقَ لهم تُهم ثقيلة زجت بهم في معتقل أبو زعبل السيء الذكر، حيث تم تعذيبهم والتنكيل بهم جسديا ونفسيا.

يُعيد المخرج تشكيل وترميم ما وقع من خلال أساليب وأشكال فنية سينمائية ترقى بالفيلم لكي يكون عملا فنيا متميزا، لا من ناحية الشكل فقط لكن من خلال حمولته الإنسانية أيضا. إذ يعتمد الفيلم على الأرشيف الشخصي والعام من أجل إعادة تشخيص تلك اللحظة، ثم لإعادة حكي ما وقع لأبيه في الأسر.

أبو زعبل 87
أبو زعبل 87

تحضر بالفيلم أيضا مرجعيات سينمائية من خلال ثلاثة أفلام، إذ يُمَثِّلُ كل واحد منها العشق السينفيلي للشخصيات الثلاث الأب، الأم والابن (المخرج). بحيث وخلال إحدى المراسلات المسجلة في كاسيت بين الابن وأبيه يخبره هذا الأخير أنه شاهد فيلما أثَّر فيه بشكل كبير هو فيلم “شحاذون ونبلاء” للمخرجة أسماء بكري، هذا الفيلم الذي يتقاطع موضوعه مع مسار الأب كونه يعالج أزمة المثقف المناضل الذي يصل في لحظة يأس إلى الانزواء وتطليق النضال بالثلاثة.

الفيلم الثاني هو “عودة الابن الضال”، ولديه علاقة وطيدة بالأم، ويقول المخرج أنها كانت تحب مشاهدته وتعشق فيه صورة المثقف المناضل الجميل كما صورها يوسف شاهين. أما الفيلم الثالث والذي يمثل سينفيلية المخرج فهو “عفاريت الإسفلت” لأسامة فوزي.

أبو زعبل 87
أبو زعبل 87

تبدو علاقة المخرج بأبيه في الفيلم جد معقدة بين تقدير لمساره النضالي ولوم خفي له كونه تخلى عن الأسرة وسافر إلى الخارج. فحتى لو أننا لا نسمع كلاما جارحا بينهما، فإن اختيار زوايا اللقطات في لحظات من الفيلم خصوصا حين يبدوان فيها وحائط يفصل بينهما يرافقها صمت مُعَبِّر أو وصوت الأب عبر شريط كاسيت قديم يُعاتب الابن على انقطاعه عن مراسلته له، ثم تعابير وردود أفعال المخرج والأب يبرر هجره لهما هو وأمه، كل هذا يعبر على تلك الهُوَّة التي نشأت بين الابن والأب، إلى درجة أنه أصبح نسخة مكررة عنه يعيد اقتراف نفس أخطاءه في حق أمه.

أبو زعبل 87
أبو زعبل 87

لكن كل سوء التفاهم هذا بدأت تنقشع ضبابيته، بعد وفاة الأم وخلال رحلة كاتارسيس قاما بها معا لزيارة أرض كان قد اشتراها أبوه منذ مدة ليكتشف بعد ذلك أن القرية التي تقع فيها تحمل اسم الأم (فردوس)، وفي تلك اللحظة، وهما يتذكران الأم مع إشراف الفيلم على نهايته، بدا أنهما قريبان لبعضهما كما لم يكونا أبدا كذلك.

المخرج بسام مرتضى
المخرج بسام مرتضى
أبو زعبل 87
أبو زعبل 87

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى