عمر الجمل.. الرجل الذي غير مفهوم الاستاند أب الكوميدي العربي
مصطفى الكيلاني
لوقت طويل، اعتاد الجمهور المصري شكلًا شبه ثابت لما يعرف بـ”الستاند أب كوميدي”، فنان يقف منفردًا على المسرح، يلقي مونولوجًا معدًا سلفًا، ينتظر الضحكات في مواضع محسوبة، ثم يغادر. علاقة أحادية الاتجاه، يكون فيها الكوميديان هو الفاعل الأوحد، والجمهور مجرد متلق يشارك فقط بتحية الكوميديان أو الضحك على نكاته، ولكن هذا كان قبل ظهور عمر الجمل.
وفي جلسة مع أحد أشهر الكوميديانات في الوطن العربي، علي قنديل، حدثني أن أكبر أزمة تقابله هي تداخل الجمهور أثناء إلقاء النكتة، وهي تبدأ بمراحل تمهيدية حتى الوصول للذروة، وإن تداخل أحد الحاضرين قد يغير طريقة تلقي باقي الجمهور للنكتة، مما قد يقذفها في سلة المهملات.
لكن في السنوات الأخيرة، ظهر اسم عمر الجمل ليكسر هذا القالب، لا بتقديم نكات أذكى أو أكثر جرأة، بل بإعادة تعريف العلاقة نفسها بين الكوميديان والجمهور.
ما يقدمه عمر الجمل لا يمكن اختزاله في توصيف “ستاند أب كوميدي” بالمعنى الشائع، وهو نفسه يحرص على نفي هذا التصنيف. نحن هنا أمام شكل أقرب إلى الكوميديا التفاعلية، حيث لا يكون النص مكتوبًا مسبقًا، ولا يكون العرض قابلاً للتكرار، ولا يكون الجمهور عنصرًا محايدًا. في عروضه، وعلى رأسها عرض «عين جمل»، يتحول الجمهور من متلق إلى شريك، ومن مادة للضحك إلى صانع فعلي له.
يعتمد الجمل على أسئلة مباشرة، واقتراحات مكتوبة، وردود فعل لحظية، ليبني منها العرض في اللحظة نفسها. النكتة لا تلقى، بل تستخرج. المشهد لا يؤدى، بل يولد أمام أعين الحاضرين. وهنا تكمن الفكرة الجوهرية: العرض لا يخص عمر الجمل وحده، بل هو نتاج جماعي، يتشكل وفق طبيعة الجمهور وجرأته وذكائه.
هذا التحول لم يبق حبيس تجربة فردية. تأثير عمر الجمل سرعان ما امتد إلى مشهد الكوميديا الأوسع في مصر. كوميديون لهم تاريخ أطول في مجال الستاند أب بدأوا، بشكل أو بآخر، في توسيع مساحة الحوار مع الجمهور، والاعتماد على ما يعرف بـ”العمل مع الجمهور” كعنصر أساسي في العرض، لا مجرد فاصل عابر.

يعد علي قنديل مثالًا واضحًا على هذا التحول. فبعد أن كان يعتمد بدرجة أكبر على المونولوج المكتوب، أصبحت مساحة الارتجال والحوار المباشر تشغل جزءًا معتبرًا من عروضه، في جلسات أقرب إلى نقاش كوميدي مفتوح. الأمر نفسه يمكن رصده لدى أسماء أخرى مثل مينا نادر، ومحمد حلمي، وصلاح الدالي، حيث لم يعد الجمهور “تفصيلة”، بل محركًا أساسيًا للإيقاع.
السؤال المنطقي هنا: هل اخترع عمر الجمل هذا الشكل؟ والإجابة: لا. لكنه أعاد توطينه.
إنجاز عمر الجمل الحقيقي لا يكمن في استيراد الشكل، بل في تطويعه للذائقة المصرية، وتحويله من مهارة إضافية إلى بنية عرض كاملة. وهنا تلعب خلفيته المسرحية دورًا حاسمًا. فالجمل ليس مجرد كوميديان، بل ممثل محترف، خاض تجارب مسرحية متعددة، وصقل أدواته في الأداء، والارتجال، وإدارة الإيقاع.

المسرح
التدريب المسرحي، يمنح الممثل قدرة عالية على الملاحظة الدقيقة، والاستجابة السريعة، والتحكم في الجسد والصوت. هذه الأدوات تظهر بوضوح في عروض “عين جمل”، حيث لا يتعامل مع الجمهور بوصفه مادة خام للسخرية، بل كطرف في مشهد حي، يحتاج إلى قيادة، وضبط إيقاع، ووعي بالحدود.
في هذا السياق، يصبح عرض “عين جمل” أقرب إلى مسرح ارتجالي معاصر منه إلى عرض ستاند أب تقليدي. هنا لا تقدّم نكات جاهزة، بل يقدّم أداء قائم على اللحظة، والمخاطرة، والقدرة على التقاط الخيط الدرامي من تعليق عابر أو جملة مكتوبة، ونسج مشهد كامل منها.

لا يمثل عمر الجمل قطيعة مع التراث الكوميدي، بل إضافة نوعية إليه. هو لا ينفي المونولوج، لكنه يزيحه عن المركز. لا يلغي النكتة، لكنه يحررها من النص. ويعيد الكوميديا إلى أصلها الأول: فعل جماعي، حي، وغير قابل للتكرار.
ربما لهذا السبب، يمكن النظر إلى تجربة عمر الجمل باعتبارها واحدة من أهم التحولات في مسار كوميديا الاستاند أب المصرية خلال السنوات الأخيرة. ليس لأنه الأكثر انتشارًا، ولا لأنه الأكثر إثارة للضحك فقط، بل لأنه أعاد طرح السؤال الأهم:
لمن يقدّم العرض؟ ومن يصنعه فعلًا؟
في عالم عمر الجمل، الإجابة واضحة: الجميع.



