نقد

اليوم السادس.. المرايا المتناظرة وانتصار إرادة الحياة

محمد ماهر بسيوني

في واحد من أدوارها القليلة في السينما، وقبل أن يحرم انتحارها العالم من فنها بعام واحد، قامت "داليدا"، المطربة والممثلة المصرية الفرنسية، بدور البطولة في فيلم (اليوم السادس)، من إخراج "يوسف شاهين"، والمأخوذ عن رواية تحمل نفس الاسم للكاتبة اللبنانية الأصل، المصرية المولد، الفرنسية الجنسية: "أندريه شديد".

قرأ "يوسف شاهين"، الرواية حين صدورها قبل إنتاج الفيلم بحوالي 30 عاما، وكان يبحث عن دور سينمائي يقوم به بنفسه، وأعجبه دور (عوكة) القرداتي، لكنه لم يتمكن حينئذ من تنفيذ الفيلم، وشرع بدلا من ذلك في إخراج فيلم (باب الحديد)، من بطولته، وقام فيه بتمثيل شخصية "قناوي".

لم تكن "داليدا" هي المرشحة الأولى لبطولة الفيلم، بل كانت المرشحة السادسة، فقد سبقها كل من: "فاتن حمامة" و"سعاد حسني" و"محسنة توفيق" و"نبيلة عبيد"، ثم انتهى إلى "فردوس عبد الحميد"، التي سجلت فعلاً إحدى أغاني الفيلم، قبل أن يستقر الترشيح عند "داليدا".

كان سبب استعانة "يوسف شاهين" بـ "داليدا" في فيلم (اليوم الساس)، هو أن يضمن بوجودها توزيعًا عالميًا للفيلم، يعوضه بعضًا من تكلفته الإنتاجية، خاصة أن "داليدا" لم يكن لها علاقة بالتمثيل من قبل إلا في دورين فقط، الأول في دور صغير بفيلم مصري عام 1954، باسم: (سيجارة وكأس)، قبل هجرتها إلى فرنسا، وفيلم آخر فرنسي، باسم: (قناع توت عنخ آمون). 

وقد علق "شاهين" على مشاركة "داليدا" بالفيلم قائلا: "قمت بإرسال هذا الدور للكثيرات من الممثلات المصريات، لكنهن جميعًا رفضن الدور، لأنهن هاويات ولسن محترفات فن كـ "داليدا"، لكن المشكلة الكبرى التي وقعت بها هي الاحتفاظ بلكنة "داليدا" "الخواجاية"، في النسخة العربية للفيلم، والتي لا تتفق ولا تتطابق مع شخصية السيدة الريفية الأصل، والتي تعيش في حي قاهري شعبي. وكنت قد اتفقت مع السيدة "فاطمة عمارة" على الأداء الصوتي لـ "داليدا"، لكنني خفت في اللحظات الأخيرة من غضب الجماهير التي ستفاجأ بعدم وجود صوت "داليدا" بالفيلم".

وفعلا تحققت رغبة "يوسف شاهين"، فقد شارك الجانب الفرنسي في إنتاج فيلم (اليوم السادس)، بعد أن سبقت مشاركته في فيلم (وداعا بونابرت)، عام 1984، على الرغم من الهجوم الشديد الذي ناله الفيلم من بعض نقاد اليمين الفرنسي، الذين وجدوا فيه إساءة لزعيمهم، "نابليون بونابرت"، حتى أن الفيلم لم يفز بأي جائزة في مهرجان (كان). وقد عللت رئيسة لجنة التحكيم ذلك بقولها: "كيف أمنح جائزة لفيلم يصور نابليون مهزوما في حملة فاشلة؟!".

وإذا كان الفيلم هو أول تعاون بين كل من "داليدا" و"يوسف شاهين"، فقد كان في نفس الوقت هو آخر صور التعاون بين كل من "يوسف شاهين" و"محسن محيي الدين"، الذي بدأ يشكو من استحواذ "يوسف شاهين" على موهبته، وطول فترات إعداد أفلامه، مما أدى إلى شبه احتكار "يوسف شاهين" له، بعد أن ابتعد المخرجون الآخرون عن إسناد أدوار البطولة له أو الاستعانة به في أفلامهم. وقد خلَّد "يوسف شاهين" علاقته بابنه الروحي "محسن محيي الدين"، وحكى عن تطوراتها من التبني إلى القطيعة، في عمله التالي: (إسكندرية كمان وكمان).

 

فخ الوضوح وإرباك البساطة
على خلاف ما هو مشهور عن غموض أفلام "يوسف شاهين"، وعدم وجود حدوتة يمكن تتبعها خطيا في تسلسل زمني من البداية حتى النهاية، نجد اليوم السادس على النقيض من ذلك، فالحدوتة بسيطة، تقع أحداثها عام 1947، حين كانت مصر لا تزال تحت الاحتلال البريطاني، وفي أحد أحياء مصر الشعبية بالقاهرة، تعيش "صِدِّيقة" (داليدا) التي تعمل غسالة في بنسيون تديره الممثلة "زينات" (شويكار)، وترعي زوجها المقعد (حمدي أحمد) وحفيدها الصغير "حسن"، بينما يكتسح وباء الكوليرا مصر، وفي ظل ظروف الفقر والجهل والمرض، يجد له مرتعًا كبيرًا وينتشر بضراوة. 

ويصاب حفيد "صديقة" بالكوليرا فتخفيه عن العيون، حتى لا يشي به أحد فقراء الحي –الذين يطمعون في قيمة المكافأة التي تقدمها الحكومة والبالغة سبعة جنيهات، لمن يرشد عن مريض بالكوليرا– إلى أطباء الحجر الصحي؛ فيؤخذ منها ويلقى به صحراء المعزولين، حيث من يذهب لا يعود، وتحاول أن تسافر به إلى الإسكندرية ليرى البحر، قبل مرور ستة أيام على إصابته بالكوليرا، فهذا في ظنها هو الوسيلة الوحيدة لشفائه التام.

تجري هذه القصة على خلفية القاهرة وهي تفور بالثورة وتتفتح بالوعي على خطر الاحتلال البريطاني الذي يتراجع نفوذه ليتقوقع في منطقة القناة فقط، بعد انسحابه من باقي الأراضي المصرية، وفلسطين تستعد لاستقبال وباء من نوع آخر، هو تقسيمها وحصول الإسرائيليين على النصيب الأكبر منها على حساب سكانها الأصليين (الفلسطينيين). 

وتتقاطع هذه الخلفية مع أحداث القصة دون افتعال، فمثلا يفسد خطة "عوكة" في التقرب من أميرة العائلة المالكة التي تترصد للسكارى من الجنود البريطانيين، مجموعة من الشباب الوطنيين، الذين خدعهم تنكر "عوكة"، حتى حسبوه بالفعل جنديا بريطانيا. 

وإلى جانب هذه المجموعة التي تنتهج العنف ضد جنود الاحتلال البريطاني، نجد أستاذ الحضانة المثقف ذي المشاعر الوطنية والوعي السياسي (قام بدوره (حسن العدل)، الذي يشير "يوسف شاهين" من طرف خفي إلى عيب هذه الشريحة الوطنية في كونها محافظة اجتماعية، فعلى الرغم من مشاعره نحو "صديقة"، نجده يقبل زواج صالونات تختار له فيه أمه عروسا مناسبة ليتزوجها دون أن يراها من قبل، في محاولة من "يوسف شاهين" لسبر أغوار هذه الطبقة، وسبب فشل محاولاتها التحديثية دائما. 

بينما نجد "رفحي" مالك السينما، والذي يهوى "صديقة" أيضا يعود إلى بلده ليشاركها محنتها، التي يمكن أن نتخيل مصيره فيها، قياسا على تطور أبعاد الصراع العربي الإسرائيلي كما نعرفها.

والحق أن بساطة الحدوتة كانت فخًا أربك الكثير من النقاد، فقد كانوا يتعللون بغموض حبكات "يوسف شاهين" السابقة، في إخفاء عدم قدرتهم على تمثل تجليات موهبته غير المحدودة، التي تقصر أدواتهم النقدية عن مجاراتها، أما وقد فاجأهم "يوسف شاهين" بحبكة بسيطة، فقد أشاحوا بوجوههم في غضب، ولسان بعضهم يقول حقيقة لا مجازا: أما وقد قال "يوسف شاهين" شيئا مفهوما، فقد جاء لا يستحق الجهد المبذول في إخراجه!

ولكن ما الذي جذب "يوسف شاهين" لهذه الرواية، حتى أنه تمنى أن يمثل فيها دور البطولة، وحين لم تسمح الظروف أبى إلا أن يظهر فيها بدور شبه شرفي، هو دور "رفحي"، الفلسطيني صاحب السينما، المقيم في الحي القاهري الفقير، والذي يحب "صديقة" حبا رومانسيا من طرف واحد؟

في الواقع فإن كارثة وباء الكوليرا في مصر الأربعينات، كانت ذات تأثير كبير على الفن بأجناسه المتعددة، فإلى جانب الرواية والفيلم المأخوذ عنها، نجد في فن الشعر أن قصيدة التفعيلة قد تم التأريخ لها رسميا بقصيدة "الكوليرا" للشاعرة العراقية "نازك الملائكة"، وقد كتبتها بإلهام مباشر من وباء الكوليرا في بر مصر.

ولكن السبب الرئيسي في نظري أنها تسمح بعرض عدة رؤى للعالم ووجهات نظر إنسانية في مواجهة معضلتين إشكاليتين، طالما أثارتا خوف البشر وحيرتهم، هما: الموت والحب.

يحمل كلا من الموت والحب أوجها متشابهة، فكلاهما يأتي بغتة بلا مقدمات، ويصاب به أبعد الناس عنه – في الفيلم يصاب بالكوليرا كل من الأستاذ المثقف، والطفل حسن، بل حتى "الشحات"، الذي يبلغ عن مرضى الكوليرا نظير المكافأة التي رصدتها الحكومة لذلك، بينما لا تصاب به صديقة ولا زوجها القعيد، ولا (عوكة) القرداتي، ولا "أبو نواس" المراكبي وأعوانه على الرغم من معايشتهما للطفل "حسن" المريض طوال ستة أيام هي عمر رحلتهم للوصول به إلى الإسكندرية. 

كما يأتي حب (عوكة) لـ (صديقة) غير منطقيا، ولا يمكن تبريره إلا بلا منطقية الحب ومشابهته للموت في لَعِبِهِ بالنرد الصدفوي بطبيعته.

لقد أثارت علاقة الحب بين "عوكة" و"صديقة" الكثير من الاعتراض النقدي لعدم منطقيتها وعدم وجود أي مبرر لها، فكيف يحب هذا الشاب المفعم بالحياة المسكون بطاقة من الفرح الغامر، أشعلت نيرانها مشاهداته لأفلام المغامرات والاستعراض الأمريكية، بتلك العجوز الصارمة الملامح، المتحفظة الجسد، المولعة بمشاهدة الأفلام الميلودرامية المصرية عن التضحية والفداء؟ وكأن الحب يمكن أن يقاس بمنطقية أصلا. 

ولكن مع ذلك إذا وضعنا تلك العلاقة داخل الإطار الكلي للفيلم، وراعينا ذلك التناظر بين الحب والموت المتغلغل في البنية الفنية للنص السينمائي، لأمكن لنا منطقته حسب تلك المرايا الخفية التي ينشر "يوسف شاهين" ما تعكسه من أطياف مع حرصه البالغ على إخفاء إطارها وزجاجها عن عيون المشاهدين.

 

رحلة عبثية هروبا من قدر محتوم

ليست رحلة "صديقة" بحفيدها حسن، للهرب به إلى الإسكندرية طلبا للشفاء، رحلتها الأولى. فلـ "صديقة" تاريخ من الرحلات: رحلتها الأولى كانت في شبابها مع حبها الأول (زوجها المقعد الآن) هربا من قريتيهما نحو المدينة، (كانت القاهرة لا الإسكندرية). 

الرحلة الثانية هي رحلتها اليومية في عالم الخيال السينمائي، خاصة أفلام التضحية، وكأنها وجدت فيها غذاء يوميا يشبع جوعها إلى الظهور كامرأة قوية لا تهزها ضربات القدر المتتالية، من عجز زوجها ووفاة أهلها في قريتهم البعيدة، التي كانت محور رحلتها الثالثة، التي بدأ الفيلم بمشهد عودتها منها، وصولا إلى مرض حفيدها بالكوليرا. 

ورحلتها الرابعة هي رحلة الهرب من مشاعر الحب التي تلاحقها، من كل من: "رفحي"، وأستاذ حفيدها في المدرسة، و"عوكة"، وحتى جارتها (سناء يونس) التي لمح الفيلم لرغبتها في "صديقة".

تتبع "صديقة" استراتيجية دائمة، هي التخلي والاقتناء، فهي تتخلى عن ارتباطاتها القديمة إذا ما ظهر لها ما يشبع روحها فعلا إلى القيام بمغامرة جديدة، حتى انحصرت أحلامها في مستقبل حفيدها "حسن". 

لقد انتهت كل رحلاتها بالإخفاق، فقد أٌقْعِد الحب الأول، ثم انتحر، ومات الأهل بوباء الكوليرا، وغادر المحبون، "رفحي" إلى فلسطين حيث ينتمي، والأستاذ إلى صحراء المعزولين بعد أن أصابته الكوليرا، ومات "حسن"، وتوترت علاقتها بالممثلة "زينات" نتيجة شك زينات في كون صديقة على علاقة بواحد من عشاقها الشبان، وودعت هي "عوكة"، بعد وصولها وحيدة إلى الإسكندرية.

ما الذي أوصل "صديقة" إلى تلك الحالة من الصرامة والرغبة في التضحية معا في ذات الوقت؟ هناك إشارة إلى خيانة قام بها زوجها حين تزوج عليها بعد عام واحد من زواجهما، وهي وإن كانت لم تسامحه على ذلك، فإنها لم تتخل عنه في مرضه، فلم يعد أمامها بعد أن تهاوت أمامها نتائج تضحيتها الأولى إلا أن تنقل مشاعرها إلى عالم من الخيال تتوحد معه حد مشاهدة أفلام معبودتها "زينات" وهي تبكي، بينما على مقربة منها يقبع رفحي صاحب السينما وقد ارتسمت على ملامح وجهه كل عذابات الحب المتجاهل من صديقة، وحين تراه لا تنسى أن تمسح دموعها، لتحتفظ لنفسها بوجه المرأة القوية التي لا يفزعها شيء.

لكل رحلته، ولا أخبار عن الراحلين تطمئن القلب. "رفحي" يذهب إلى فلسطين بعد تواتر الأخبار السيئة عنها، والأستاذ يذهب للحجر الصحي ولا يعود بعد ستة أيام كما وعد، وتنتظره صديقة في المدرسة في الموعد الذي ضربه لها بلا فائدة. و"عوكة" يتبعها في رحلتها للإسكندرية دون أن يكون على علم بمرض "حسن" – فقد قالت له "صديقة" إنه قد احترق مع جده الذي انتحر وذهب في رحلة إلى عالم الموتى – وحين يعلم ويود العودة يكون الأوان قد فات، فيستمر في الرحلة دون إرادة كاملة.

 

صراع الوجه والقناع

قديما قيل: "ليس المهم هو الوصول، بل الرحلة". وصدقية هذه المقولة تتحقق في الرحلة النهرية التي تقطعها "صديقة" للوصول بحفيدها "حسن" إلى الإسكندرية، فلولاها لما سقط قناع المرأة القوية ذات الملامح الصارمة الذي يخفي وراءه سديما من مشاعر الرحمة والحنو، ذلك القناع الذي تتعمد ارتداءه أمام الآخرين، ولا يسقط عنها إلا لحظيا في أثناء مشاهدتها لأفلام الميلودراما السطحية. 

لقد تعرض ذلك القناع لشرخ كبير حين فقدت الأستاذ بعد إصابته بالكوليرا، فلم تجد أمامها سوى الذهاب لدجال لتقديم نذور تضمن عودته، في تطبيق عملي لمقولة: "إذا ضعفت النفس استسلمت للخرافة". ثم تشقق القناع تماما عن وجهها الحقيقي حين أصابت الكوليرا حفيدها، فصارت تقضي ليلها على المركب تبكي وتتمنى الإصابة بالكوليرا بدلا منه، وحين مات كانت تلك هي لحظة ضعفها القصوى، فأقدمت على الانتحار، لولا منعها بذلك بالقوة من قبل "عوكة".

ولولا الرحلة وما تعرضا فيها من مواقف، ظهر فيها وجه "عوكة" الحقيقي، المختفي وراء قناع الصعلكة، لما احترمته "صديقة" ووثقت به، أو على حد تعبير حوار الفيلم: "استجدعته"، فتحول من "واد صايع" إلى رجل في نظرها، بعد أن ضلل البوليس عن حفيدها، وبعد أن رفض أن تعطيه مالا يعوض عمله كقرداتي، وعمله الثاني في الإرشاد عن مرضى الكوليرا نظير مكافأة. 

ولنا هنا وقفة، فمن سؤال "عوكة" لطبيب الحجر الصحي عن ما إذا كان المحافظ سيصافحه حال عمله ويعطيه شهادة تقدير عن مشاركته في مكافحة وباء "الكوليرا"، يبدأ القناع في التدحرج عن وجهه، لنراه إنسانا باحثا عن التقدير لشخصه، لا عن المال، وعن ممارسة ما يحب – ولو بلغ به الشطط حد التنكر في زي عسكري إنجليزي لتعجب به أميرة تهوى اصطيادهن من الأزقة لمتعتها. 

لقد ترك "عوكة" حياة خاملة مع أبويه اللذين يملكان محل بقالة، وفضل الحرية، ولو أدت إلى عمله كقرداتي يمارس البهجة ويعرضها على جمهور من الفقراء في المقابر.

الموت.. ذلك الأليف الرابض

لماذا أهدى "يوسف شاهين" فيلمه هذا بالذات إلى "جين كيلي"؟، "ذلك الذي ملأ أيام شبابنا بهجة"، على حد قوله في عبارة الإهداء.

بعيدا عن أن أحداث الفيلم تدور في عام 1947، ذلك العام الذي ضرب فيه وباء الكوليرا مصر بلا هوادة، مما لا يسمح بأن يشاهد "عوكة" أفلاما استعراضية لجين كيلي، حيث لم تكن أعماله الاستعراضية الأشهر قد أنتجت بعد، فضلا عن أن تعرض في مصر. بعيدا عن ذلك، لا يبدو هذا التركيز على تذكر بهجة الشباب – في خضم أحداث فيلم تدور حول خذلان الحب وفجيعة الموت – اعتباطيا.

صحيح أن حبكة الفيلم تغري بصنع فيلم كابوسي ذي نزعة ميلودرامية، إلا أن "يوسف شاهين" برؤيته الشاملة لا يرى الأمور بهذا الاختزال، فالحياة تتوزع أنصبتها ما بين البهجة والفجيعة، والكابوس يفسح مجالا للحلم، والنهايات لا يجب دائما أن تكون تعيسة، فالأمل يبقى دائما في الحسبان، ولهذا لا ينتهي الفيلم بموت حسن، وفشل الغرض المباشر من رحلة الهرب من الموت، بل ينتهي بمشهد وداع ما بين "صديقة"، و"عوكة"، مع تطمين هادئ من "أبي نواس" –قام بدوره: الممثل العراقي (يوسف العاني)– صاحب المركب، بإمكانية اللقاء من جديد.

هذا الهدوء الحكيم الذي يتمتع به "أبو نواس"، وليد تجربة فقد شبيهة بتجربة "صديقة". فبينما فقدت هي حفيدته، فقد هو أمه، ومثلما حاول الانتحار حينها، حاولت هي أيضا الانتحار. 

يرينا إذن "يوسف شاهين" بمراياه المتناظرة، وقد تحولت هنا إلى بلورة سحرية، مستقبل "صديقة" بعد أن فقدت حفيدها، فستستمر حياتها كما استمرت بأبي نواس، ولكن بعدما منحته ذلك الهدوء الحكيم، أو الحكمة الهادئة، التي انتهت إليه نفس كابدت ألم الفقد، حتى هان عليها كل شيء بعده. وصديقة نفسها سبق لها الشعور بذلك الفقد، حين فقدت أهلها بالكوليرا وزوجها بالانتحار من قبل. وكأن شاهين يريد أن يقول لنا: في صراع الموت والحياة، وإن بدا لنا أن الموت هو المنتصر، إلا أنه هو المهزوم أمام جحافل الحياة، فلا تفقد الأمل.

يأتي حين على الإنسان يتعايش فيه مع الموت، ولو على مستوى اللاوعي. فالأطفال في المشهد الأول من الفيلم قبل نزول التترات، يلعبون لعبة الكوليرا وسط المقابر، التي نجد فيها بشرا أحياء يقاسمون فيها الموتى رقدتهم الأخيرة.

 كما أن "عوكة" يمارس استعراضه الأول لمشاهديه الفقراء وسط المقابر أيضا، ويغازل الأميرة التي تزور قبرا ما، وكأن مكان الموت يحتمل لهو الأطفال وبهجة الاستعراض وأشواق الحب والرغبة دون أي تناقض على مستوى السلوك المباشر الذي يمارسه البشر دون اعتبار لتقسيمهم الذهني الفاصل ما بين الحياة والموت.

 

موسيقى ذات شطرين ينبضان معا

كما تتنوع دقات القلب بين وجيب الشوق والنشوة، ودقات الحزن والخوف، كذلك توزعت موسيقى الشريط السينمائي، تلك التي لحنها "عمر خيرت"، ما بين تنويعات على لحني أغنيتي: "حدوتة حتتنا" – غناها: "محسن محيي الدين" كتبها "صلاح جاهين" بالاشتراك مع "يوسف شاهين"، و"بعد الطوفان" – غناها: محمد منير وكتبها "صلاح جاهين" منفردا. 

فجاءت الأولى رمزا للنشوة الباخوسية وإرادة الحياة وانتصار الأمل، بينما جاءت الثانية رمزا لمشاعر مختلطة من التردد والحذر والخوف والأسى. ولكن هذا الانقسام لم يمنع في بعض المواقف السينمائية من إبطاء اللحن الأول ليتناسب مع مشاعر يكسوها الشجن، أو تسريع اللحن الثاني ليتوافق مع مشاعر يغلب عليها التحدي للهزيمة ومقاومة اليأس. 

ومن خلال هذه التباديل والتوافيق بين اللحنين، يؤكد لنا عمر خيرت ما سبق أن طرحه "يوسف شاهين" في نصه السينمائي، من عدم إمكانية الفصل الحاد ما بين الحياة والموت، إذ إن التعايش بينهما هو الأصل، وإن كان الانتهاء بأغنية بعد الطوفان بلحنها السريع يؤكد ما سبق أن فهمناه وعرضناه من أن الانتصار النهائي هو للأمل في استمرار الحياة وهزيمتها للموت.

 

ساحر النور والظلال

قد تجد دائما اعتراضات نقدية على كل عناصر العمل السينمائي عند يوسف شاهين، فقد تجد اعتراضا على اختياره للممثلين، أو لطريقة أدائهم التي تبدو متأثرة بشخصية يوسف شاهين نفسه، حتى في طريقة الكلام السريعة المنفعلة غير واضحة الألفاظ أحيانا، أو في لغة الحوار – حين يكتب "يوسف شاهين" الحوار بنفسه – التي تنتمي عاميتها لسنوات قديمة وطبقة اجتماعية انقرضت، وقد يتم مهاجمة الغموض في عرض الفكرة، لكن تكنيك "يوسف شاهين" في التصوير بالذات يبقى عصيا على الهجوم.

والحق أن "يوسف شاهين" قد تفوق على نفسه في تصوير مشاهد هذا الفيلم، حتى يكاد المشاهد يحسبها لوحات تنتمي لمدرسة "رامبرانت"، في استخدامه للنور والظلال في رسم أبعاد المشهد السينمائي، وهو ما يعد إضافة لجدلية الحياة (النور) والموت (الظلال).

محمد ماهر بسيوني
ناقد وأكاديمي مصري
في ذكرى رحيل داليدا
*نُشر ورقيا في مجلة داليدا داليدا – Dalida

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى