رأي

الإسكندرية لأفلام البحر المتوسط.. مهرجان بلا جمهور ولا سينما

مصطفى الكيلاني

كل عام، في نفس الموعد تقريبا، يتجدد الحديث، ويتبادل أعاضاء جمعية كتاب ونقاد السينما الاتهامات حول إدارة مهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط الاتهامات، كانت همسا في الماضي وأصبحت في العلن، ويكتشف الجميع فجأة أن المهرجان “في خطر”، وأن “دور مصر الحضاري” على المحك، وأن “القوى الناعمة” تتعرض لمؤامرة.

مهرجان سينمائي.. بلا أفلام

ولنبدأ من المفارقة الأكبر التي يتجنب الجميع ذكرها.. أين الأفلام؟ مهرجان سينمائي يفترض أن يكون قلبه شاشة عرض وجمهور يتواجد. أما في الإسكندرية فالأفلام إما غائبة، وإما تعرض على استحياء في قاعة بأحد الفنادق، أمام صفوف من المقاعد الخالية، لا تصل إليها مدينة الإسكندرية ولا أهلها. مهرجان يقام في مدينة، ولا يعرف سكان المدينة أنه يقام أصلا.

والسؤال الذي يفرض نفسه.. إذا كان الفيلم لا يعرض، أو يعرض في غرفة فندق لا يدخلها أحد، فما الذي يتبقى من مهرجان سينمائي سوى الاسم؟

أويما 20 - Uima20 | الإسكندرية لأفلام البحر المتوسط.. مهرجان بلا جمهور ولا سينما

17 ندوة في 3 أيام

حين تغيب الأفلام، يبقى أن نملأ الوقت بشيء، فتخترع المسابقات والندوات والموائد المستديرة، لا لأن العمل يحتاجها، بل لتوزيعها رئاسات على من يطالبون بنصيبهم. والنتيجة عبثية بالأرقام.. سبع عشرة ندوة محشورة في ثلاثة أيام، إلى جانب المسابقات والموائد.. لو خصصنا لكل ندوة ساعة واحدة فقط، فمتى يجلس الضيف ليشاهد فيلما؟ ومتى يكتب الناقد؟ ومتى يلتقي صناع السينما الحقيقيون؟

“العدد في اللمون”، كما يقول المثل المصري، ولا أحد يفهم شيئا، حتى تحول المهرجان إلى مسخ لا هوية له. وتبلغ المهزلة ذروتها.. مهرجان سينمائي يفترض أن يستضيف سينمائيين، مخرجين، ممثلين، كتاب سيناريو، نقادا. أما في الإسكندرية فقائمة الضيوف كأنها كشف حساب علاقات شخصية. تجد بينهم نقيب فنانين غير معترف به في دولته ولا علاقة له بالسينما، يستضاف هو وعائلته. وإن اتسع المقام، استضيفت حتى صديقة الابن.. على نفقة من؟ على نفقة بند مجهول قد يدخل بهدوء تحت تصنيف “إهدار المال العام”.

السؤال البسيط الذي لا يجرؤ أحد على طرحه.. ما الذي تضيفه هذه الأسماء إلى السينما؟ وما الفيلم الذي صنعوه؟ الإجابة معروفة، ولهذا لا أحد يسأل. الضيافة هنا ليست تكريما للفن، بل صك ولاء متبادل، أستضيفك اليوم لتستضيفني غدا حتى خرج مصطلح “مهرجني أمهرجك”.

التكريم بالجملة

لو كان التكريم تقديرا حقيقيا لما تكرر على نفس الأسماء. لكن مهرجان الإسكندرية له منطق آخر، الضيف يكرم، ثم يعاد تكريمه، ثم تعرض في ندوة تكريمه لقطات من تكريمه في الدورة السابقة! النجم السوري دريد لحام مثلا كرم في 4 دورات حتى صار الرجل ضيفا دائما أكثر منه مكرما عابرا، بخلاف أن الدورة الواحدة تضم 10 تكريمات وأكثر.. فما قيمة التكريم حينها؟

أويما 20 - Uima20 | الإسكندرية لأفلام البحر المتوسط.. مهرجان بلا جمهور ولا سينما

مهرجان متوسطي أم خليجي

الرخصة الرسمية للمهرجان واضحة كالشمس، إنه مهرجان “لأفلام دول البحر المتوسط”. هذا تخصيصه، وهذه هويته، وهذا الترخيص الذي قام عليه. فكيف نبتت داخله مسابقات لا علاقة لها بترخيصه، وعلى رأسها مسابقة لـ”الأفلام عربية”؟ هل صارت الجغرافيا في الإسكندرية بند قابل للتفاوض كبقية البنود؟

والأطرف أن يمتد الاحتفاء إلى سينمائيين من سلطنة عمان، مثل خالد الزدجالي، الذي يحتفى به دورة بعد أخرى. ومع كامل احترامنا للسينمائيين العمانيين الحقيقيين وتجربتهم المقدرة، يبقى السؤال الجغرافي قائما.. هل انتقلت سلطنة عمان من المحيط الهندي إلى البحر المتوسط؟؟

أويما 20 - Uima20 | الإسكندرية لأفلام البحر المتوسط.. مهرجان بلا جمهور ولا سينما

فضيحة الخنجر

واستكمالا لـ”حدوتة” سلطنة عمان الشقيقة، الدولة التي نحبها جميعا ونقدر دورها الإقليمي، ولكن لخالد الزدجالي ذكر فيما هو قادم، ففي ختام مهرجان وهران الدولي للفيلم العربي عام 2016، قام رئيس مهرجان الإسكندرية الأمير أباظة بتقديم تكريم للرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة تسلمه مسؤولون رسميون. وقدم له خنجرا عمانيا في علبة تحمل الشعار السلطاني، وهو الخنجر نفسه الذي كان الأمير أباظة قد تسلمه قبل أشهر من تلك الواقعة في مهرجان مسقط السينمائي من صديقه الزدجالي.

هدية مستعملة، بشعار دولة ثالثة، تقدم لرئيس دولة مضيفة، على الهواء مباشرة. حتى العلبة لم تتغير. وانتشرت الصورة على مواقع التواصل، وتداولها سينمائيون، وإعلاميون جزائريون ،وعرب باستنكار واسع.. وهنا لا نفهم كيف يكرم رئيس مهرجان سينمائي رئيس دولة أخرى؟؟ وكيف قبلت الدولة المصرية أن يمارس الأمير أباظة دورا سياسيا بهذا الشكل.. وكيف استمر في مكانه بعد هذا التهريج؟

أويما 20 - Uima20 | الإسكندرية لأفلام البحر المتوسط.. مهرجان بلا جمهور ولا سينما

أين الرقيب؟

بعد كل ذلك، يبقى السؤال الأهم معلقا في الهواء.. أين وزارة الثقافة من كل هذا؟ هي التي تمنح صكوك المنح والمنع، وهي التي توقع على إقامة الفعالية من عدمها. فكيف تسمح بكل تلك المهازل دورة بعد دورة، وتكرار الضيوف أنفسهم، واستقدام رؤساء مهرجانات أغلبهم لا علاقة له بالسينما أصلا؟

يتفاخر مسؤولو الوزارة بما يقدمونه للمهرجانات، ويتحدثون دائما عن توفير أجهزة العرض، وكأن تلك وظيفتهم الأصلية والوحيدة. لكن الوزارة لا تراقب، ولا توجه، وإنما تكتفي بالشراكة في الخطابات والصور التذكارية في الافتتاح والختام، ثم تلوم بعد كل فعالية فاشلة، لتعود فتدعم صناعها أنفسهم في العام التالي.

أما لجنة المهرجانات، فهي الغائب الأكبر عن أي دور رقابي حقيقي. تحولت من جهة تقييم وضبط إلى اجتماعات بلا أي نتيجة سوى منع التمويل عن مهرجانات حقيقية مثل مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير الذي يحصل على ملاليم، ونحن لا نجد فيه مكانا في قاعة السينما بسبب توافد الآلاف من أبناء الإسكندرية والمدن الأخرى لحضور فعالياته، وكذلك مهرجان الفيوم الذي لا يحصل على أي دعم، في مقابل مهرجانات الكراسي الفارغة التي تحصل على كل دعم اللجنة والوزارة.

أويما 20 - Uima20 | الإسكندرية لأفلام البحر المتوسط.. مهرجان بلا جمهور ولا سينما

الكرسي لا يتعب

وفي مايو 2026 جدد مجلس إدارة الجمعية المصرية لكتاب ونقاد السينما اختيار الأمير أباظة رئيسا للدورة الثانية والأربعين، للسنة الثالثة عشرة على التوالي، بأغلبية سبعة أصوات مقابل صوتين. وخرج الخلاف إلى العلن عبر منشورات متبادلة بينه وبين عضوين من مجلس الإدارة، وسيقال إن الخلاف “مؤامرة”، وإن المعترضين “خانوا المهرجان”، وإن من يقترب من المحاسبة يستهدف “دور مصر الحضاري”.

من يضع حدا للمهزلة؟

أما أعضاء الجمعية العمومية، فقد تحول المهرجان عندهم إلى “أسبوع مصيف” سنوي وهي ميزة لا يستهان بها في زمن الغلاء، ولهذا فهم ليسوا طرفا في المعركة، سيصطافون على أي حال. تبقى المعركة بين من يقتسمون المناصب، وتبقى السينما وحدها غائبة عن المهرجان وجمعيته. والجمهور غائب عن معظم المهرجانات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى