رأي

خادمة: عن النساء المعنفات وكسر دوائر القهر

جيلان صلاح

افتتحت ستيفاني لاند مقالتها الأيقونية عن أيام عملها كخادمة في منازل الأثرياء بمقولة،

دعني أخبرك بشيء تعرفه بالفعل: خادمتك تتجسس عليك.

كانت هذه المقالة الجريئة هي الجذوة التي بدأت كتاباً ناجحاً عن كاتبة دفعها حظها العاثر -إنسانياً- والهائل -أدبياً- لأن تجرب الحياة من منظور بائس، فتعبر عما رأت وسمعت وشعرت بالكتابة، فنبرح نحن وتعيش هي بنجاح أدبي وجراح نفسية وإنسانية تستيقظ كل يوم لمداواتها، وقد تحول هذا الكتاب لمسلسل بعنوان “خادمة” يُعرض الآن على نِتفلكس ويسرد لنا نموذج شديد الأهمية عما يعني أن تكون امرأة مبدعة من النساء المعنفات الفقيرات.

يحتاج المسلسل لعدة مقالات تحليلية تتعرض بالتفصيل لكل ما يظهر على الشاشة من المعوقات التي تقابل امرأة ترغب في الاستقلال بنفسها بعيداً عن دائرة العنف والأذى دون أن يكون لديها مصدر دخل ثابت أو قوة بأي شكل من الأشكال، وببساطة فإن المسلسل يستعرض قسوة ما قد تتعرض له امرأة إذا لم تمتلك مالاً أو نفوذاً ورغبت في التخلص من التعنيف الجسدي أو الأذى النفسي.

لكن هناك لقطة واحدة أردتُ بروزتها في المسلسل، وهي بولا والدة البطلة الرئيسية، الخادمة آليكس.

بولا مريضة باكتئاب ثنائي القطب، تعاني من تغيرات مزاجية حادة وعنيفة، وتاريخ من العلاقات الفاشلة مع رجال منهم من هجرها، ومنهم من هجرته هي، ومنهم من تردت علاقتهما حتى وصلت للإيذاء الجسدي. أضف على هذا فشلها في أن تثبت نفسها كفنانة وإحباطها من عدم تحقيق ذاتها بالفن -الشيء الوحيد الذي تجيده- لتجد نفسك أمام قطار بلا مكابح، يسير مسرعاً مصطدماً بأي شيء في طريقه.

يتعامل الجميع مع بولا على أنها نكتة، حتى ابنتها في بداية الأمر، قبل أن تمر بتجربة مماثلة لتجربة أمها -فيما يُسمى بالأذى عابر الأجيال- كانت لا ترى فيها سوى أضحوكة، انهيار جليدي، امرأة تتمزق في العلن وأمام الجميع، لا تستطيع السيطرة على انفعالاتها أو الكلام الذي يخرج منها، تهرب من رجل فجأة لأنها اكتشفت أن حياتها معه تخنقها وتكبت إبداعها ثم تعود وتبدي مرارتها لأنه استطاع بناء حياته بعد الانفصال باستقرار وزواج من امرأة تصغره بعقدين أو أكثر -كما المعتاد- وإنجاب الأطفال صغار السن الذين يتداخل دوره بالنسبة لهم من بابا إلى جدو.

مع الوقت، تقابل آليكس والدها بعد مرورها بإحدى الصعوبات، يبدو والدها رجلاً هادئاً متزناً وقد استطاع كالعادة أن يبني حياته بعيداً عن بولا مع زوجة صغيرة وأبناء صغار. تنجح محاولاته في التودد لآليكس رغم أنها تقاوم في البداية، ومع ضغط الحياة عليها أكثر ترضخ وتعاود الاتصال به، محاولةً بجهد أن تتذكر السبب الذي دعا أمها لمغادرته.

وفي لحظة لاستعادة أسباب الصدمة trauma بعد نوبة هلع مفاجأة أثناء تنظيف منزل مقبض، اكتشفت آليكس وهالها أن والدها الذي يتمتع بسمعة مجتمعية طيبة وحياة هانئة هو رجل عنيف، ضرب أمها أكثر من مرة، وتسبب في دمار حياتها بالكامل بسبب غيابه عنها كمثال للأب القويم الصالح. لأول مرة في حياتها تمتن آليكس لأمها، وتراها بنظرة غير التي ينظر بها لها جميع من يعرفونهم، بما يشمل شون صديق آليس مدمن الكحول والذي شابهت نظرته لأبيها نظرة أبيها له.

في لحظة، يعري لنا المسلسل حقيقة المجتمع الذي نادراً ما ينتصر للمرأة، نرى الحالة المزرية التي تعيشها أم آليس وآليكس نفسها، في مقابل الحالة الرائعة التي وصل إليها والد آليكس مثلاً، نكتشف مدى سهولة أن يجد رجل مؤذي له تاريخ من العنف تجاه المرأة زوجة أو صديقة تدعمه وتمحو ماضيه، بينما تقابل النساء المعنفات رجال في غالبيتهم رغبة في استغلالهن مما يتركهن في نهاية الأمر وحيدات، بلا مأوى أو مصدر حماية.

كشف المسلسل عن ازدواجية المجتمع ونفاقه، وقدرته على الاستخفاف بحكايا النساء المعنفات الضعيفات، اللاتي لا يجدن لهن صوتاً أو داعماً، في مقابل مدى تماسك حياة الذكور المعنِفين، وتقبل المجتمع لهم كرجال صالحين.

لكن المسلسل لم يظهر هؤلاء الرجال كوحوش ستوديوهات يونيفرسال باللون الأسود في مقابل آليكس كملاك فنانات الخمسينيات فاتن حمامة وماجدة، كانت امرأة أنانية أحياناً، عدائية في بعض المرات، وحتى أولئك الرجال الذين خذلوها وأمها كانت لهم دوافعهم وهنّاتهم وإحباطاتهم الإنسانية والاجتماعية التي دفعتهم للتنفيس عن طاقة عنفهم المكبوتة في أضعف طرف يقابلونه، زوجاتهم وأبنائهم.

أروع ما في المسلسل تعبيره عن مصطلح يراه الكثيرون عبقرياً: الصدمة عابرة الأجيال والأذى عابر الأجيالintergenerational trauma and intergenerational abuse إنه الاستمرار في سلسلة الفقر والضغوطات المجتمعية والانسياق للمفاهيم الذكورية التي تجعل تلقي الأذى أمراً عادياً، والاستسلام لواقع قبيح سُنة من سُنن الحياة.

من خلال آليكس يفهم المشاهدون معنى المقاومة وعدم الاستسلام لتاريخ عائلي من الفقر والاضطرار للعمل في مهام وضيعة، تصمم آليكس على أن تكون كاتبة، امرأة مبدعة ترى في غسل الصحون ومسح الأرضيات عملاً يستحق الكتابة عنه، وتاريخ العنف المنزلي أمراً لا يُغتفر ولا يمكن تمريره مر الكرام.

في إحدى ورش الكتابة، أخبرنا المدرب أن ما يجعل المبدع مختلفاً عن شخص عادي، هو في طريقة نظرته لتفاصيل الحياة اليومية، إذا دخل عيادة أسنان مثلاً، فما ستقع عليه عينه يختلف عما يلاحظه شخصاً عادياً، لذا كان وجود ستيفاني لاند في دور الخادمة تتلصص على حياة تلبستها فأخرجت كتاباً كاملاً عنها مفيداً للإنسانية بأكلمها، وللنساء على وجه التحديد.

أتخيل ألف ستيفاني -أو آليكس- أخرى تعاني وهي تدعك الأرضية بالساعات على ركبتيها المعرضتين للخشونة وتآكل المفاصل بالتأكيد، وتعود لغرفتها الباردة التي تتكسّر حوائطها بفعل العفن والرطوبة، لكنها تمسك كتاب ستيفاني لاند أو تشاهد سلسلة حلقات على نِتفلكس فتجد ملمح أو اثنين من حياتها مجسدين، فيمنحها ساعات من السلوى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى