نقد

سيدة مصر الأولى

 

حاتم حافظ

 

حكت لي إحدى قريباتنا أنها كانت تعمل لدى مصمم فساتين شهير في الستينيات، وأنها ردّت على التليفون ذات مرة فوجدت سيدة تسأل عنه. كانت قريبتنا صغيرة للغاية حتى أنها لم تنتبه للصوت الذي يحدثها. ببراءة شديدة سألت "أقول له مين؟". فأجابت السيدة "أنا الست". وببراءة أقرب للسذاجة سألت قريبتنا "ست مين؟!". فأجابت السيدة باندهاش "هو فيه في مصر كام ست؟!".

 

 

لم يكن من قبيل الصدفة أن يطلق المصريون – والعرب – لقب "الست" على أم كلثوم. الست هو تخفيف لكلمة السيدة. الست هي السيدة باللهجة المصرية. فالمصريون يقولون "ست البيت" و"ست الحسن". أم كلثوم كانت – ولا تزال – السيدة بألف ولام التعريف، وكانت – ولا تزال – سيدة مصر الأولى، وإن شئت: هي مصر مجسدة في ست!

 


 

 

مصر دولة استثنائية في محيطها العربي والإفريقي والإنساني. مصر أيضا شعب تستقر روح الحضارة في جيناته وأوصاله. وهي الروح التي تتبدى في جيشان الموهبة. مصر بلد موهوب. وبلد استثنائي في انفجارات إبداعاته. لكن من بين كل الإبداعات لم تتجل "روح مصر" بقدر ما تجلت في ظاهرة أم كلثوم. ليس في صوتها فحسب ولكن فيها كظاهرة مكتملة. ظاهرة فنية وإنسانية فريدة. فلاحة تأتي من ريف مصر بملابس صبي لتتسرب إلى كل وجدان مصري وعربي ويصبح لها حضور مقيم في كل فؤاد.

 

 

في زيارة للبلد الذي نحبه كلنا كمصريين، الإمارات العربية، صاحبني صديق لبرج خليفة، أعلى برج في العالم، وبينما أتطلع لارتفاع البرج فجأة سمعت صوت أم كلثوم. كانت النافورة الشهيرة قد بدأت في الرقص على أنغام أغنية "انت عمري". لحظتها لم ينتبني شعور بأني في مصر لكن انتابني الشعور بأني محاط بمصر ومتدفئ بريحها. كانت الموسيقى تنساب إلى مسامي انسياب النيل في مجراه. ويعرف كل مغترب أن أم كلثوم أكثر ما يبعث روح مصر في أي مكان. حتى لتخالها أنها مصر وقد تجسدت في صوت وشخصية وفستان ومنديل.

 


 

في مصر لا يهم إن كنت تحب أم كلثوم أم لا تحبها. لا يهم إن كانت هي مطربتك المفضلة أم لا. لكن من التجديف في حق الوطنية المصرية ألا تعترف بقيمة أم كلثوم. ليس فحسب لأنها المطربة الأشهر، ولا لأنها "كوكب الشرق" ولا لأنها "درة الفن" ولكن لأنها الأجدر بتمثل الروح المصرية، وهي روح غنائية، وطربية، وتميل للانسجام، وتنفر من التعقيد. قوية بقدر لينها، مؤمنة بقدر تفتح مسامها على محبة الحياة. وقورة بقدر تحيزها للبهجة.

 

 

ليس مدهشا أن الأغنية الأكثر ارتباطا بالحس الوطني غنتها أم كلثوم وهي "وقف الخلق ينظرون جميعا كيف أبني قواعد المجد وحدي". وليس مدهشا أيضا أن الأغنية الأكثر تمثلا للروح المصرية في الإيمان غنتها أم كلثوم وهي "أحبك حبين حب الهوى وحب لأنك أهل لذاك". وليس مدهشا أيضا أن الأغنية الأكثر تجسيدا للروح المصرية في الحب غنتها أم كلثوم وهي "الليل وسماه ونجومه وقمره وسهره وانت وأنا". ثلاث أغنيات ليست الأجمل ولا الأشهر فحسب ولكن الأكثر استحضارا للروح المصرية. للطريقة التي يؤمن بها المصريون، والطريقة التي يعشقون بها، والطريقة التي ينتفضون بها لاستعادة هويتهم المصرية من بين براثن الاحتلال والتسلط والغزو.

 

نشر بمجلة "فنون" عدد ديسمبر 2019

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى