نقد

سينما “الطيب”.. أحدهم مر من هنا

عمرو شاهين

حينما تسير في الشارع فتصادف سائق (تاكسي) يتوقف لينزل أحد الزبائن تتذكره، حينما يمر من أمامك اتوبيس نقل عام بالتأكيد تتذكره، وذلك المجند الذي يسير مسرعا تجاه محطة القطار ويمر من أمام المحامي غير المهندم الواقف في انتظار أحدهم، كل هؤلاء وغيرهم يذكرونك به بالتأكيد، يذكرونك بما يزيد عن 20 فيلما في مدة تقترب من الثمانية عشر عاما، يذكرونك بعاطف الطيب.

أحدهم مر من هنا، هو الملمح الأهم والأبرز في سينما الطيب، رغم انه لم يأتي مع بداية موجة الواقعية الجديدة، في النصف الأخير من السبعينات، ولكنه كان أهم فرسانها وأبرزهم بلا منازع، بل غنك لن تتذكر كلمة (السينما العربية) إلا وتتذكر أفلام عاطف الطيب أو على أقل تقدير بعضا منها.

ملامح سينما عاطف الطيب كثيرة فالرحلة من تلك الملامح، وسائل النقل العامة، المواطنون الغلابة وغيرها، ولكن أهم تلك الملامح أن أحدهم مر من هنا، عاطف الطيب – في رأيي- وحده دون غيره هو من استطاع أن يجعل الزمن يقف بنا، لنقف ونمعن النظر ونشاهد حياة أحد العابرين في الشارع، جعلنا نقف لنشاهد قصة لسائق اتوبيس بكل تشعباتها، أو سائق تاكسي، جعلنا نتوقف لنعرف جيدا من هؤلاء ومن يكونوا.

لم يكتفي الطيب بأن يجعلنا نشاهد ونتعاطف فقط، بل حول هؤلاء العاديون في نظرنا إلى أبطال، يحملون صفات البطل الملحمي، جعلنا ننفذ إلى داخلهم ونعرف أكتر عما هزمهم وما هزموه وما يقلقهم ويوجعهم، حولهم في اعيننا من مجرد عابرين إلى أبطال، أبطال حقيقيون من دماء ولحم ومشاعر والأهم أنه يأتون بأخطائهم وخطاياهم.


ربما قبل فيلم ضد الحكومة كنت تشاهد ذلك المحامي المتنقل بين المحاكم والاقسام ولا تتوقف لحظة لتسأل نفسك ما هي قصته، الأمر ذاته مع سائق الاتوبيس والتاكسي والبواب وابنته والطبيبة و و و، الأمر لا يتوقف عند شخصية بعينها.

في سينما الطيب لابد أن يمر البطل برحلة، رحلة بحث أو سفر، هناك رحلة في الأمر تلك الرحلة هي الإطار الذي نشاهده فيه عن قرب، وفي الغالب هناك ذلك المشهد المكرر لقطار يسير في طريق، حتى وإن غاب القطار وغابت وسائل النقل فالرحلة حاضرة، فمثال على رحلة ربما تكون مختلفة عن كل رحلات الطيب، رحلة شيخون في أبناء وقتله.

شيخون وحده كان رحلة، رحلة في الزمن مما قبل الهزيمة لما بعدها، رحلة زمنية شاهدنا فيها الكثير والكثير، عن الشخصيات التي قدمها الطيب، شخصيات ربما حاول أن يجعل بعضها ملائكيا لكثر حدة كل الخطايا التي ترتكبها الشخصيات الأخرى.

فمن رحلات البحث إلى رحلات الهرب إلى رحلات الانتقام إلى رحلات المطالبة بحق والإنقاذ، أبطال الطيب كانت تدور حولنا وتلازمنا، ولكن الأهم أن خطاياهم هي الأخرى تلازمنا ونراها والأهم أيضا اننا نتفهمها ونقبلها ونتعاطف معهم.

نتعاطف مع خطايا محامي ضد الحكومة وسذاجة أحمد سبع الليل في البريء وعجز شركس، وإجرام شيخون، وعنف الضابط يوسف ومثالية حسن عز الرجال، نتعاطف مع ماضي سلوى شاهين وحاضر حورية، وكأنما لا يحمل لقب إنسان إلا من كان يحمل خطاياه ويسير بها، يتطهر منها مثلما فعل مصطفى خلف وغيره؟ أو لا يتطهر منها ولكنه في النهاية إنسان حقيقي، بشر، هذا ما كان يصر عليه الطيب في ابطاله أن يكونوا بشرا مثلنا.

هذا التسامح يتجسد بشده في فيلم مثل فيلم البريء، الطيب يجعلنا نتعاطف مع الجلاد، وهي واحدة من المرات القليلة في السينما المصرية التي يأخذ فيها عمل فني زاوية الجلاد، ولكن جلاد عاطف الطيب يشترك في باقي الصفات فهو عابر غلبان مثل البقية، يحمل اخطاءه على كتفه ويسير بها، ولكن الأهم في فيلم البريء هي تلك اللمحات التي أشار بها عاطف الطيب إلى حياة الضابط توفيق شركس وليس المجند احمد سبع الليل، أيضا يجعلنا نفهم لماذا يفعل شركس كل ما يفعل ويمرر خيطا رفيعا من التعاطف والتفهم لدوافع تلك الشخصية، قبل ان يعود ليتابع رحلته داخل البريء، وكيف أن الكشف أو الإدراك يجعله يفقد براءته ويتطهر من خطاياه.


أحدهم مر من هنا، نشاهده في لقطة من رحلته، يحمل بداخله هزائمه وانتصاراته وعلى كتفه يحمل اخطاءه، وحده عاطف الطيب جعل الوقت يتوقف ونتوقف معه، لنتخطى حدود لحظة مرور أحدهم من أمام أعيننا، لنتابعه في رحلته منذ البداية للنهاية، لنجد أنفسنا أو بعض من أنفسنا داخل تلك الرحلة، لننتصر وننهزم معه، فبعد سينما الطيب لم نعد مجرد (أحدهم مر من هنا) بل صرنا أكثر من ذلك بكثير.
 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى