نقد

صفقات مع الرب.. حكايات البشرية بين الخوف والحرية

أمل ممدوح

“الشيء الذي يهيمن على روح الجماهير ليس الحاجة إلى الحرية وإنما الحاجة إلى العبودية، ذلك أن ظمأها للطاعة يجعلها تخضع غرائزياً لمن يعلن بأنه زعيمها”، هي إحدى جمل كتاب جوستاف لوبون “سيكولوجية الجماهير” عن ذلك الخوف الأبدي في أعماق الإنسان من جهة، والرغبة في الشعور بالقيمة والسيطرة من جهة أخرى؛ كشعورين أغويا الناس لاصطناع ظلالا للإله على الأرض، فاستنسخوا لهم من البشر من يقوم بدوره لحمياتهم.

واستنسخ البعض من نفسه دور الإله في القيادة، فصنعوا أيقونات يقدسونها ويتبعونها ترخي قبضاتهم عن أنفسهم، في ثنائية عابد ومعبود، وكأن الطرفين قد عقدا صفقات مع الإله لاستنساخه، وهي فكرة تأملية ينطلق منها هذا العرض الألماني الراقص من إخراج وتأليف وكوريوجرافيا جوليا ماريا كوخ، وموسيقى ألفها للعرض ميريدي أراكيليان، مع راقصين وراقصات شديدو المهارة الجسدية والأدائية.

يتطرق العرض لقصة الإنسان منذ بدء وجوده على الأرض، ووسائط الإله التي اصطنعها سواء كقوة روحية، كقوة اجتماعية مادية ونفسية، يُسرد هذا المضمون من خلال الجسد فقط في هيئة حكاية من ثلاثة فصول تفصل بينها فواصل ظلامية، مرورا بثلاثة مراحل يتغير فيها شكل الصراع وأسلوبه، مع تعليق صوتي شعري يبرز أحيانا، بلغات مختلفة تعمم الحالة الإنسانية، دون أن يضيف كثيرا للمضمون بقدر ما يبرز كلمات تتماس معه، وإحساس شجني من خلال راو بعيد لحكاية تثير التأمل.

صفقات مع الرب1

يبدأ العرض في فصله الأول بإضاءة شحيحة أقرب للظلام، تزداد تدريجيا لتظهر كتلة بشرية في منتصف المسرح الخالي تماما، وسط إضاءة تجمع بين اللونين الأزرق والأخضر، ليتضح تدريجيا أنهم ست شخصيات؛ ثلاثة رجال وثلاثة نساء، تتكور أجسادهم على بعضها لتزداد الإضاءة سطوعا بشكل يبدو أسطوري شاعري التأثير، كزرقة كوكب الأرض الأزرق كما يسمى وكما يبدو في الفضاء، وبحالة دخانية توحي ببكورة اللحظة والفضاء الخالي البارد.

ينهضون تدريجيا في الظلام كمن يستيقظون من نوم طويل، نرى ملابسهم بيضاء خفيفة من نسيج واحد، لكن بأشكال وقطع مختلفة، فهناك حالة توحد بينهم لكنها تتيح بعض الخصوصية لكل منهم، حركاتهم متكتلة في الأغلب، خمولة تبدو تلقائية كعالمهم البدائي، تتوحد وتتشابه أحيانا لكنها تتحرر بين آن وآخر نحو فطرة التفرد.

تبدأ ملامح الصراع والسيطرة سريعا، كأن يقتاد رجلان رقبتي امرأتين من الخلف، تبدوان خاضعتان ثم سريعا ما تقاومان وتنفلتان، مع ظهور أوضاع مرآوية من بعضهم، كبدايات تبعية، مع حركات جسد بقدر ما يظهر فيها العنف أحيانا تبدو عشوائية متراخية نسبيا، بما يعطي انطباعا بفترة البدائية والطفولة الإنسانية.

وبقدر تحركهم الجماعي الملتصق تظل حركاتهم غير متطابقة كثيرا، نلمح حركات مقاومة فردية أو جماعية، مع موسيقى موفقة التعبير كالجرس المتصل الهادئ تثير الانتباه لعمق، نرى كثيرا حركات دالة على القوة والمثابرة يعقبها حدث يخضع الجميع أو يخير قواهم، إنه التعبير عن نشأة الخوف، ومعرفة الموت، كخبرات أنتجت الضعف والخوف المفرط من المجهول، تثير من ثم الحاجة لقوى خارجية يتم الاستعانة بها، وإسلام الإرادة والقيادة لها.

صفقات مع الرب 2

ليبدأ ظهور أوضح للانشقاق والرقصات المنفردة، ومحاولات إخضاع ثنائية متبادلة أو فردية تجاه الجماعة، تتعاقب حركات القوة ثم الضعف والمقاومة ثم الخضوع، والانقياد ثم التحرر، وتظهر خلال الحركات ملامح للباليه الكلاسيكي من حيث الوقوف على أطراف الأصابع، وطريقة حمل الرجل للأنثى، تتكرر بين آن وآخر، كرمز مزدوج للحالة الكلاسيكية الأقدم تناسب المرحلة المعروضة.

ينتهي الفصل السابق ليبدأ الفصل الثاني، بإضاءة خافتة كإنارة يشوبها الاحمرار البسيط، تتراجع فيها حالة ازرقاق الإضاءة السابق، لنجد رجل وامرأة يجلسان في يسار المسرح ليدخل من اليمين زوجان آخران كل رجل يحمل امرأة في وضع ثابت، لينضموا للثنائي الأول، لنجدنا أمام ثلاثة ثنائيات من رجل وامرأة يتراصون جميعا بوضع واحد مائل، يرتدون بدلا متشابهة بلون البشرة تغطي كامل الجسد وتطابقه، فكأن الجميع عراة بلا فروق، حتى أن فروق الجنس الجسدية تبدو مطموسة غير واضحة.

ليبدو كل ذلك مقدمة لحالة من التماهي والذوبان في الكل، ليؤكد هذا المعنى مشهد جيد التكوين معبر بصريا بشكل كبير، حيث تتراص أجساد الجميع المستلقين أرضا، بشكل جانبي، لينهض أحدهم على الطرف الأيسر فيقيم جذعه ليحرك رجليه حركة يكررها الجميع بأرجلهم خلفه، في تشكيل يشبه الكائن الأسطوري ذو النصف العلوي البشري والسفلي الحيواني في شكل جسد حصان.

لتتضاعف الأسطورية بتعدد أزواج الأرجل، في تكوين بديع، يدل على قيادة رأس واحدة هي ما تبدو لنا لأجساد جماعية غابت رؤوسها أمامنا في الخلف، خاصة بتوحد حركات كل الأرجل، ويتكرر الأمر مع رجل آخر بنفس التشكيل، لتشترك الشخصيات بعد ذلك في حركات واحدة وحالات تشبه النوم الجماعي، لتبدأ سلطة شخص جديد يشير لهم فيكرروا ما يفعل، فتبرز القيادة الفردية للجماعة.

صفقات مع الرب 3

ثم تبدأ قوانين المجتمع تجاه الحب بالزواج كنظام اجتماعي إجباري، يأخذ شكل الطقس الإيماني بتعبيرات كفوفهم المضمومة بخشوع كالصلاة، ونرى مباركة المجتمع لسيطرة الرجل وإخضاع المرأة بإيماءات بالموافقة، تستسلم المرأة وتبدو طيعة في يديه يحركها كيف يشاء، حتى إذا تركها لم تعد تعرف كيف تتحرك وحدها، مع تداخل مقاطع غنائية روحانية تبدو كالترتيل الكنسي.

يركز التشكيل على تشابه الرجال وتشابه النساء دون اختلافات، ليبرز بعدها ظهور التكتلات الجنسية المتصارعة كفريقين، انتهاء بحالة من الحب تجمع بين اثنين، يتسم الفصل بحركات أكثر تماسكا وحرفية من تلك في الفصل الأول، مع اتجاه الموسيقى لحالة أكثر عصرية وتعقيدا، فهو فصل عن فقدان البراءة الإنسانية والحالة الفطرية، وذوبان الفرد والطبيعة الخاصة في المجموع.

يبدأ الفصل الثالث والأخير بشكل مختلف، حيث يظهر الجميع مستلقين على الأرض على ظهورهم، مقسمين لثنائيات تمثل زوجا من الجنسين بينها بعض المسافة، مع عودة اللون الأزرق لكن بشكل مختلف يبدو صناعيا وليس بريا طبيعيا كالسابق، لتظهر الشخصيات بملابس مختلفة أكثر عصرية، يتطابق فيها البعض ويتطابق البعض الآخر، مع تشابه عام بين الجميع، ألوانها إما سوداء أو تجمع بين الأبيض والأسود، لتبدأ تدريجيا رقصات متشابهة لمجموعات تتضمن تباينا في الجنس.

لتبدأ الحركة تبدو أكثر قوة وديناميكية من الجميع، ونجد تشكيلات بعدها تدل على تفوق نسائي وخضوع رجالي، حيث تبدو النساء الأعلى قامة بينما الرجال منحنيين، ثم سريعا ما ينقلب الوضع للعكس، بمقاومة أسرع وأكثر قوة هنا، نرى علامات بالكفوف بجانبي الرأس تشبه القرون توحي بتأهب للانقضاض من الخلف من الرجال، في تعبير موح بالتنافس والخداع والغواية كذلك، حيث يحملهن الرجال في أحد المشاهد بينما يغطي الدخان الكثيف أنصافهن السفلي ليبدين في أيديهم كالتماثيل النصفية، في تكوين جيد، ثم نرى مواجهة بين الجميع كفريقين في صفين متقابلين.

ثم يتكاتف الجميع أحيانا فيشبكون أياديهم في دائرة كعلامة ترويض للسيطرة، لكنهم يتصارعون من جديد وتظهر إشارات القرون كالحيوانات المتصارعة، حتى تبدأ إحدى النساء في الرقص بشكل منفرد بحركات قوية منطلقة للأعلى في أوضاع ثورية متحررة، مع موسيقى عصرية إلكترونية سريعة، لنجد تدريجيا الحركات الراقصة قد صارت أكثر تكاملا وتناغما، ومساعدة لعثرات البعض، مع استمرار المواجهة القوية من آن لآخر، مع انخراط في رقصات جماعية لكنها بسمات فردية مستقلة، بها ندية بين الجنسين.

لكن سرعان ما تبدأ الحالة اللامنتهية للصراع بمحاولة الإخضاع ثم الاستسلام، حتى تبدأ امرأة من جديد في النهوض والرقص وحدها، من بينهم بينما يبدون أسفلها كالجثث، فالعصر الأحدث الأكثر وعيا ومقاومة للدفاع عن الحرية والفردية المستقلة، لكن الصراع سيظل مستمرا، يتقلد فيه البعض أدوار الإله وآخرون يلبسونهم رداءه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى