أخبار

ما وراء صورة نيبور والبعثة الدنماركية!

 

رياض حَمَّادي

 

واحدة من أكثر الرحلات مأساوية في التاريخ. رحلة علمية بدأت في 4 يناير 1761م وانتهت في 20 نوفمبر 1767م. بدأت بخمسة علماء وخادم لكن في نهايتها لم ينجُ منهم سوى كراستين نيبور الذي أعاد سرد تلك الرحلة، ومن كتبه أُعيد صياغة الرحلة بلغة أدبية مشوقة.

 

إحدى هذه الصياغات صدرت مؤخرًا عن مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر، يناير 2020، بعنوان "الأثر يقود إلى رمال شبه الجزيرة العربية- رحلة نيبور والبعثة الدنماركية" للروسية ت أ بوتينتسيفا وترجمة محمد علي البحر. الرحلة نفسها كانت موضوعًا لكتاب "من كوبنهاجن إلى صنعاء" لتوركيل هانسن، ترجمة: محمد أحمد الرعدي.

 

يعيد كتاب "الأثر يقود إلى رمال شبه الجزيرة العربية" سرد رحلة البعثة الدنماركية بلغة أدبية مع تفاصيل أكثر تشويقًا. خط سير الرحلة مر عبر العديد من البلدان: إسطنبول القاهرة السويس مكة صنعاء اللُّحَية المخا تعز يريم ذمار بغداد البصرة بومباي شيراز مشهد حلب دمشق صيدا اللاذقية القدس، وآسيا الصغرى حتى شواطئ بحر مرمرة. ولكل اسم من هذه المدن نصيب من السرد والأحداث. مات اثنان من أهم علماء الرحلة وقُبرا في اليمن وهما في ريعان شبابهم: عالم اللغة فون هافن توفي في مدينة المخا في اليمن، ولحقه بعد فترة وجيزة عالم الطبيعة المشهور بيتر فورسكال، توفي في مدينة يريم اليمنية. أما الطبيب كارل كرامير والرسام باورنفيند فتوفي أحدهما على السفينة وابتلع المحيط جسده والثاني توفي في الهند. أما نيبور فلم ييأس واستكمل الرحلة ليخلد ذكر أصحابه ومغامرتهم التي تجمع بين العلم والفن والأدب والتاريخ.

 

إنه كتاب في أدب الرحلات لكنه يعيدك إلى نفسك ويذكرك بمعنى الإنسان. وأنت تقرأه لن تقارن فحسب بين عالمين قديمين: هم ونحن؟ ولكنك ستطرح السؤال: هل ما زلنا بدوًا قساةً أم لبسنا قشرة الحضارة كما عبَّر نزار شعرًا؟!

 

تعكس صورة الغلاف جانبًا من الفرق بين هذين العالمين. إنها أكثر من مجرد لوحة رسمها أحد أعضاء البعثة النحات والفنان جورج باورنفيند. يظهر فيها نيبور مرتديًا الملابس العربية وفي الخلفية عربيان يمسكان بخنجرين! هل يرقصان أم يتقاتلان؟!

 

بتقريب الصورة وتأملها جيدًا سترى أن وضعية الرجلين لا توحيان بالرقص. أحد الرجلين ممسك برأس الآخر ويهم بطعنه! لعل باورنفيند أراد أن يختزل صورتنا تلك ويخلدها، ويبدو أن ماضينا فيها ما زال حاضرًا حتى اللحظة!

 

في الواجهة يقف نيبور شامخًا، يده اليسرى على خصره واليمنى ممسكة بالصولجان كملك. وضعيته تشبه تمثال الحرية وهو ممسك بالشعلة. وشعلة نيبور (الممثل للبعثة العلمية الدنماركية) هي عصا العلم أو حربته التي تمتمد مع يده نحو السماء. شامخٌ برأسه، وفي أعلى الخلفية يمكنك أن ترى السحب، على وجهه علامات النعيم والأُبهة ويرتدي الملابس الفاخرة، ضخم، فيما العربيان خلفه قزمين عاريين!

 

هل انتهى ذلك الزمان أم ما زلنا حفاة عراة أقزامًا نتقاتل في خلفية الصورة الحضارية؟!

 

من الكتاب:

"شعر من بقي من أعضاء البعثة على قيد الحياة باليتم، لقد كان فورسكال دينامو البعثة وقلبها النابض، مرحًا لا يُمل، وأكثرهم ثقة بنجاح عملهم، وكانت رجولته وعزيمته الثابتة ومرحه باستمرار بمثابة دعم لهم في أصعب اللحظات، كما أنه كان أكثرهم نضجًا وتجربة. كان يتعايش مع الناس بسهولة، يقنعهم وينقادون له دون أن يلاحظوا ذلك. وبالرغم من كل ذلك فقد كان فورسكال رئيس البعثة غير المعلن، الذي اختاره نيبور، المحروم من العطف والحنان، صديقًا له، ولم يشعر في حياته بمثل هذه الحسرة والألم. صعد نيبور إلى تل مرتفع لأنه كان يجب ألا يراه أحد وهو يبكى.

 

إن طفولته التعيسة عوَّدته على الصبر غير أنه الآن ولأول مرة يطلق جماح مشاعره وعواطفه، لقد ضغط على نفسه وكابد مشاعره طويلًا، حاول طويلًا أن يكون حاضر الذهن حصيفًا وهادئًا. لكنه قذف الآن بكل معاناته المتراكمة وبكى بمرارة حتى كادت حنجرته تتمزق."

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى