صخب البيوت ودفء الذاكرة.. قراءة في الموزاييك الاجتماعي والسياسي لفيلم «القصص»

نور الهدى فؤاد
منذ اختيار فيلم «القصص» للمخرج أبو بكر شوقي لتمثيل مصر في منافسات جوائز الأوسكار، ظهرت انتقادات ركز بعضها على ارتفاع مستوى الصوت وتداخل الأصوات، وعلى صعوبة التقاط بعض الحوارات في عدد من المشاهد. وقد تبدو هذه الملاحظات، في ظاهرها، تقنية بحتة، لكنها تفتح بابًا مختلفًا لقراءة الفيلم؛ لأن جزءًا من هذا الصخب الذي قد يبدو للبعض عيبًا، يمكن النظر إليه أيضًا باعتباره محاولة لنقل شكل الحياة المصرية نفسها.
فالبيت المصري الذي يستعيده الفيلم، خصوصًا في عقوده الأولى، لم يكن مكانًا هادئًا ومعزولًا كما أصبحت بعض البيوت الحديثة. كان البيت مزدحمًا بالأبناء والأقارب، والجيران يدخلون ويخرجون، وأصوات الراديو والتليفزيون والموسيقى تتجاور مع أصوات المتحدثين، فيما تتداخل الأحاديث في الغرفة الواحدة. ومع الثمانينيات، ومع تفاقم الزحام السكاني واتساع الأسواق الشعبية وانتشار الباعة الجائلين وضيق المساحات السكنية، أصبح الضجيج جزءًا أصيلًا من المشهد اليومي قبل أن تبدأ المدن الجديدة والكومباوندات في تقديم تصور آخر للحياة قائم على البحث عن المساحة والخصوصية والهدوء.
ومن هنا يبدو «القصص» في جوهره فيلمًا عن الذاكرة قبل أن يكون فيلمًا عن التاريخ. إنه نوستالجيا إنسانية لنمط حياة مصري امتد عبر نحو أربعة عقود، من النكسة إلى آخر الثمانينيات، يتتبع أسرة مصرية وأحلامها الصغيرة، وخوفها، وفقدها، واحتفالاتها، وانكساراتها، بينما تتغير مصر من حولها. لكنه لا يستدعي الماضي من خلال الحكاية وحدها؛ بل يعيد بناءه بصريًا وسمعيًا حتى يكاد المشاهد يشعر بأنه دخل إلى ألبوم عائلي قديم تحركت صوره فجأة.
وهنا تأتي واحدة من أهم نقاط قوة الفيلم: الديكور والملابس والصورة والكادرات والموسيقى. البيانو الذي يهتز معه الكادر والنجفة، يافطة جمال عبد الناصر التي يعلقها الأب على النافذة المكسورة، موسيقى نشرة التاسعة، أغاني «الوطن الأكبر» و«زحمة يا دنيا زحمة»، راديو الجار، بوسترات مباريات الكرة، بدلة الترقية، تفاصيل الشوارع والبيوت؛ كلها ليست مجرد زينة زمنية، وإنما أدوات سرد تستحضر زمنًا كاملًا بتفاصيله الحسية. حتى انتقال الشارع من مساحات أكثر فراغًا إلى سويقة مزدحمة بالشماسي والباعة، واختفاء الزرع تدريجيًا، يحمل في الصورة وحدها شيئًا من التحول الاجتماعي الذي يرويه الفيلم.

يبدأ هذا العالم وسط أجواء الحرب والقلق السياسي. خناقات الزمالك والترسانة تستمر حتى تقطعها طائرة إسرائيلية، والأغاني الوطنية والعسكرية تملأ البيوت، بينما يتابع المصريون الأخبار ويتجادلون حول الماء والزراعة والفساد. الأب يعلق صورة عبد الناصر ليخفي بها الشباك المكسور، في لقطة تختصر علاقة المواطن بالزعيم وبالدولة معًا: صورة سياسية كبيرة تخفي، مؤقتًا، عيبًا صغيرًا لكنه حقيقي في البيت.
ثم تأتي النكسة لتدخل الحرب إلى قلب الأسرة حرفيًا. ينقطع التيار، وينزل الجميع إلى البدروم، وهناك تلد الأم فيروز طفلها نادر، ابن النكسة. وفي مقابل ذلك يذهب حسن إلى الحرب، وتتوالى الرسائل التي تختلط فيها مشاعر الأسرة بمصير الوطن. وحين تصل رسالة حسن التي تقول إن «أحلى صوت في الحرب هو صوت الصمت»، يصبح الصمت نفسه جزءًا من ذاكرة هؤلاء الناس.

لكن الفيلم لا يكتفي بأن يقول إن الأحداث السياسية وقعت بالتزامن مع حياة المصريين، وإنما يبحث في أثرها النفسي عليهم. أحمد يسافر إلى النمسا، ويحاول أن يصنع لنفسه حياة مختلفة، لكنه يظل مشدودًا إلى مصر حتى عندما يحاول إقناع نفسه بأن أخبارها لم تعد تعنيه. يقابل العازف العالمي هوروفيتز في الحمام، في مشهد عبثي ودال، بينما تظل مصر حاضرة في داخله. وفي لحظة أخرى، يعود إلى الراديو ليستمع إلى أخبارها وقد تغير موقفه منها، فيبدو الوطن هنا ليس مجرد مكان، وإنما علاقة عاطفية معقدة بين الإنسان وذاكرته.
ومع السادات والانفتاح، تتغير اللغة وتتغير الأحلام. المذيع الذي كان يمدح الاستعداد للحرب يصبح هو نفسه صوتًا يمدح الانفتاح، قبل أن ينقلب خطاب الشارع في أحداث 1977. ويموت العم الأعزب، الذي فقد شغفه بالحياة بعد وفاة أم كلثوم، فيتحول موته إلى صورة رمزية لجيل تبدلت الأشياء من حوله بسرعة أكبر من قدرته على استيعابها. وحين يردد الناس: «إنتو اللي طلبتو الانفتاح على الغرب»، لا يعود الانفتاح مجرد سياسة اقتصادية، بل يصبح سؤالًا عن الثمن الذي دفعه الناس مقابل التحولات التي قيل إنها ستفتح لهم أبواب المستقبل.

وتتكرر هذه العلاقة بين الخاص والعام في السنوات التالية: الخوف، الترقية، المستشفى، المرض، الإذاعة، الخطاب الديني، التلفزيون، اتفاقية السلام، حادث المنصة، وحتى البحث عن بوتاجاز جديد. الأم التي قضت عمرها تسجل تفاصيل العائلة، وتطلب في وصيتها أشياء تبدو شديدة البساطة، تصبح في النهاية أرشيفًا حيًا لعائلة ولبلد في آن واحد. وحين تموت، لا يكون الموت فرديًا فقط؛ بل يبدو كأن حقبة كاملة تنسحب معها.
حتى كرة القدم، التي تبدو أحيانًا عنصرًا كوميديًا أو هامشيًا، تتحول إلى أحد أهم مفاتيح الفيلم. الأب الذي لا يترك مباراة، يضحي في النهاية بالمباراة ليستمع إلى عزف ابنه، في واحدة من أكثر لحظات الفيلم دفئًا. وفي الوقت نفسه، يصبح انتصار الزمالك في النهاية أشبه بانتصار صغير داخل عالم كبير مثقل بالخسارات. أما أحمد، الذي ظل يحلم بأن يلعب يومًا مع الفريق الفائز، فيجد نفسه في النهاية يعزف أمام الوزير، ويحصل على الصورة الرسمية التي كان ينتظرها، بينما يتابع أبوه من جوار الراديو. ثم تأتي جملة مرعي: «السر العيب مكنش في عيني»، لتترك الفيلم أمام سؤال أكبر من كل حكاياته.
وهنا تحديدًا تكمن جرأة «القصص». فهو لا يكتفي باستعراض تاريخ مصر في الخلفية، بل يحاول تفكيك الطريقة التي صنعت بها التحولات السياسية والاجتماعية إنسانًا مصريًا يحمل الخوف والأمل والشك والولاء والهزيمة والرغبة في النجاة في الوقت نفسه. الدولة حاضرة، والإعلام حاضر، والبيروقراطية حاضرة، والعمل والأسرة والشارع حاضرون، لكن الأهم هو الإنسان الذي يتشكل تحت تأثير كل ذلك.

وبالرغم من حسنات الفيلم الكثيرة، فإنه لا يخلو من ملاحظات سلبية؛ أبرزها أن امتداد الحكاية عبر عقود متعددة أدى في بعض المناطق إلى ترهل البناء الدرامي وتراجع الإيقاع، رغم محاولة الفيلم الحفاظ على رتم سريع. كما أن الحوار في بعض المواضع يميل إلى المباشرة، فيشرح معلومات كان يمكن أن تصل إلى المشاهد دراميًا، مثل التعريف المباشر بشخصية العم. وتأتي كثرة الشخصيات والأحداث أحيانًا على حساب التركيز، بينما يمكن أن يؤدي تداخل الأصوات وارتفاعها في بعض المشاهد إلى صعوبة التقاط بعض الجمل، حتى لو كان هذا التداخل مقصودًا جزئيًا لمحاكاة البيئة المصرية المزدحمة. لذلك يحتاج الفيلم إلى قدر أكبر من التكثيف، وإلى موازنة أدق بين واقعية الضجيج ووضوح السرد.
ومع ذلك، يبقى «القصص» تجربة تستحق المشاهدة المتأنية، خصوصًا مع اجتماع نيللي كريم، وأمير المصري، وأحمد كمال، وصبري فواز، وكريم قاسم، وفاليري باشنر، وخالد مختار، وشريف الدسوقي، وأحمد الأزعر، وعمرو عابد، تحت كتابة وإخراج أبو بكر شوقي، وإنتاج محمد حفظي وشاهيناز العقاد عبر «فيلم كلينك». وبعد رحلته في دور العرض ومشاركاته المهرجانية، أتمنى أن يحظى بما يستحقه من مشاهدة معمقة وجادة، وأن تكلل رحلته الجديدة بالخارج بجائزة، أو على الأقل أن يجد طريقه إلى جمهور يقرأ ما وراء صخبه، ويكتشف الدفء والأسئلة الكثيرة المختبئة خلف «القصص».



