فؤاد المهندس.. حينما نطقت حضارة المصريين
كيرلس داوود
فاز كل من اعتبر الفن درب من دروب الجمال وليس من دروب الشطط والتميز، الإبداع بحق هو الإتيان بأفعال مخالفة للعادة لكن يجب ألا تخرج عن النسق الجمالي المرسوم لها من الأصل، فالأصل في الموضوع هو الجمال وليس التغيير، فأنت تسعى للتغيير لتضيف قيمة جمالية فما حاجتك للشطط والمجون بدونها… هكذا عاش الأستاذ فؤاد المهندس.
هناك قيم جمالية في العالم صنيعة الخالق عز وجل نراها ونسمعها في يومنا العادي مثل صوت الكروان وألوان أجنحة الطيور ووقت الغروب على البحر ولا نخجل إن قلنا إن بعض صنائع البشر الفنية تحمل تلك اللمسة الإلهية البديعة التي حباها الله لبعض الناس فجعل ذواتهم تنضح بالجمال وأرواحهم مشعة تصب هذا الجمال على كل من حولها.

فتجد بعض الأعمال الفنية تحمل طابع الجمال الإلهي وحاشا لله أن نقارن صنيعة الخالق بالمخلوق، ولكن الله هو صانع الجمال الذي نراه نحن في هذا الفن لأنه جميل يحب الجمال.
من السهل أن تولد مبدعاً في أي مجال من مجالات الإبداع فالموهبة عطية إلهية ومن السهل أيضاً أن تصل إلى النجاح الذي ترجوه كمبدع ويصبح لك إسماً مهما في مجال إبداعك لكن كم هو من الصعب أن تكون أنت المسطرة والمقياس الذي يوضع عليه باقي المبدعين لقياس مدى مواهبهم، فصوت فيروز هو صنيعة إلهية لم يكن لها أي فضل فيها لكن تبقى أم كلثوم هي المقياس الذي يقاس عليه موهبة المطرب أو المطربة فتجده بغير قصد اختار أن يبدأ حياته بالغناء لأم كلثوم لكن كم رأيت مطرب في مطلع حياته يغني لفيروز.. أنا لا أنكر على السيدة العظيمة فيروز موهبتها الفريدة لكني أحاول تسمية الأشياء بمسمياتها.
من السهل إضحاك الناس فإنك لو تسير في الشارع في يومك العادي ووجدت رجلاً تظهر على ملامحه الهيبة خانته قدماه فإنك ستضحك لثوان حتى قبل أن تحاول أن تمد له يد العون لتقيمه مرة أخرى.

لكن أي نوع من أنواع الضحك أنت تريد أن تقدمه للناس..
على حد تعبير ” الأستاذ ” فؤاد المهندس قد صرح في آخر لقاء تليفزيوني مصور له قائلاً: (أردت أن يحب الناس الضحك، لم أردهم أن يشعروا منه بالاشمئزاز)
قدم فؤاد المهندس الضحك (القيم) حتى وإن لم يكن يحمل أي رسالة أخلاقية لكنه ضحك داخل السياق ضحك لا يخجل منه أحد وهي صالحة لكل زمان ومكان، فكوميديا فؤاد المهندس أشبه بلوحات العصر الفيكتوري القيمة الناطقة بكل ما هو جميل، أعمال فؤاد المهندس لم تكن إضافة إلى مكتبة الفن المصري لكن كانت هي المكتبة التي أضاف لها من جاءوا بعده وأولهم تلميذه الذي صار أهم مشروع ممثل ناطق باللغة العربية “الزعيم عادل إمام”.

قل لي هل تستطيع وضع فؤاد المهندس في مقارنة مع أحد، هل مقبول بالنسبة لك سماع جملة مثل أن نجيب الريحاني وهو أستاذ المهندس قدم فن يتفوق على فؤاد المهندس الإجابة بالنسبة لي هي لا على الإطلاق.
لا أريد للحظة واحدة التقليل من شأن الريحاني العظيم لكي أعتبره محاولة بدائية لخلق فن وليد يخطو خطواته الأولى في مصر وهو فن السينما والكوميديا بالتحديد، لكني أنسب كل الفضل للمهندس في ريادة الكوميديا في عالم السينما المصرية.
هذا الرجل الجاد الملامح الذي تمتع بكاريزما طاغية لم يستطع حتى إخفائها حينما أراد منه الدور ذلك، من منا لا يتذكر دوره في البيه البواب والذي كان بالحري إختفاؤه داخل الشخصية لصالح بطل العالم لكن أي كاريزما تريد أن تخفي وجود الأستاذ على الشاشة كان أكبر من أن يستطع أحد إخفاؤه، هل تستطيع أن تنساه في فيلم ” خمسة باب “، الفيلم الذي قام ببطولته وقتها أهم نجمين في عالم السينما في مصر عادل إمام ونادية الجندي.. هل تستطيع أن تقول إن أحداً استطاع أن يتخطى الأستاذ ولو للحظة واحدة على الشاشة.

اتخذ فؤاد لمهندس على غير عادة فناني الكوميديا الجدية والصرامة في عمله على خشبة المسرح أو حتى أمام الكاميرا وهو طريق شائك لفنان كوميدي يضحي بقبوله أمام الناس الذين يرونه طيلة الوقت بهذه الصرامة وهذه الجدية وهو في الأساس فنان كوميدي مهمته إضحاكهم.
قدم المهندس ما يقرب من 100 رواية على خشبة المسرح وأكثر من سبعين فيلماً في السينما لن تتذكر أسماء أبطاله طالما كانت خارج كوميديا الشخصية أو الكاراكتر من شنبو ومستر إكس لكنك ستخرج من الفيلم متذكراً فقط فؤاد المهندس.
قامة فؤاد المهندس لا توصف بالكلام ف لا أحد يستطيع أن يصف معنى كلمة ” الجاه ” فهو إحساس تشعر به وأنت تسمع صوت أم كلثوم أو تنظر إلى أحد معالم الحضارة الفرعونية أو تقرأ عن انتصارات مصر العسكرية في التاريخ… هكذا أشعر وأنا أتكلم عن الرجل الذي استحق اللقب الذي أطلقه عليه الجميع “الأستاذ”.




