أخبار

اللجنة التي تأكل على موائد المهرجانات لن تصلح “الإسكندرية السينمائي”

مصطفى الكيلاني

حين نشرت مقالي السابق عن مهرجان الإسكندرية، بعدما كتب زملاء عنه وانضم إلينا عدد من بمنشورات تتقاطع في جوهرها مع ما طرحناه من تساؤلات حول المستوى الفني والمهني للمهرجان، لم يكن أحد يتوقع أن يصدر قرار بإلغاء الدورة المقبلة. لأننا تعودنا على الصمت من لجنة المهرجانات، ولكن جاء قرارها من وزيرة الثقافة التي بحكم منصبها هي رئيس تلك اللجنة.

حين أعلن عن القرار المحترم لوزيرة الثقافة باعتبارها رئيسة للجنة المهرجانات بإلغاء الدورة المقبلة من مهرجان الإسكندرية السينمائي الدولي، لم تكن المفاجأة في القرار ذاته بقدر ما كانت في السؤال الذي فرض نفسه فوراً: وأين لجنة المهرجانات من هذا القرار؟

السؤال مشروع لأن اللجنة طالما تحصنت خلف تصريح جاهز: “لا سلطة لنا على مهرجان الإسكندرية”. قالوها بكل ثقة حين طولبوا بمحاسبة دورات متعاقبة أخفقت في تحقيق أي معيار احترافي. قالوها حين سئلوا عن غياب لجان التحكيم الجادة. وقالوها حين تساءل المتابعون عن مديرين فنيين ليس لهم أي علاقة بالسينما أصلاً، وقالوا “لا سلطة لنا.”

واليوم، حين جاء قرار الإلغاء وهو أعلى درجات التدخل في شؤون المهرجان، اكتشفنا أن ثمة سلطة موجودة بالفعل، وأن من يملكون هذه السلطة اختاروا توظيفها في الإلغاء، وهو ما لا نريده. نريد أن يتولى إدارة مهرجان الإسكندرية فنانو المدينة، ويحكم عليه جمهور السينما في عاصمة مصر الفنية.. والصورة التي خرجت علينا بالوزيرة وخلفها أعضاء اللجنة يجب أن يخجل منها كل من سكت طوال سنوات، وتحجج برغم كل ما كنا نشاهده من فضائح على الهواء.

فضيحة الخنجر

غير أن الحديث عن المحاسبة لا يكتمل دون الإشارة إلى “فضيحة الخنجر”، تلك الواقعة التي ذكرتها في مقالي السابق، والتي كشفت بجلاء مستوى الإحراج الذي وصل إليه رئيس مهرجان الإسكندرية على الملأ الدولي. ففي عام 2016، وعلى هامش مهرجان وهران، قام الأمير أباظة بتقديم هدية تكريمية للرئيس الجزائري الراحل عبدالعزيز بوتفليقة في حفل رسمي تسلمها عنه مسؤولون جزائريون. لكن الهدية كانت خنجراً عمانياً داخل علبة تحمل الشعار السلطاني العماني، هو نفسه الخنجر الذي كان الأمير أباظة قد تسلمه قبل أشهر من المخرج العماني خالد الزدجالي خلال مهرجان مسقط السينمائي. هدية مستعملة، بشعار دولة ثالثة، تقدَم لرئيس دولة مضيفة، على الهواء مباشرة، حتى العلبة لم تتغير.

هذه الفضيحة لم تكن حادثة عادية بقدر ما كانت مؤشراً واضحا على ما وصل إليه تهافت مسؤولي المهرجان,, وقتها، لم تستطع الدولة ولا الوزارة اتخاذ أي قرار رادع، الظروف السياسية وثقافة الصمت والحرج الرسمي حالت دون ذلك. لكن الجرح ظل مفتوحاً، وتراكمت فوقه إخفاقات دورة بعد دورة، وحين قدمت فضيحة الخنجر في مقالي السابق لتوضيح أن ما يفعله رئيس المهرجان هو ممارسات تتدخل في سيادة الدولة المصرية وعلاقاتها بدول العالم. وأظنها كانت القشة الأعمق أثراً في المشهد، والتي حركت في النهاية القرار السياسي الذي صدر الآن. المحاسبة تأخرت، لكنها وصلت.

أويما 20 - Uima20 | اللجنة التي تأكل على موائد المهرجانات لن تصلح "الإسكندرية السينمائي"

الدور الرقابي

لجنة المهرجانات في مصر هيئة يفترض أنها الجهة الرقابية المنوط بها تقييم المهرجانات ووضع معايير الاعتماد وضمان مستوى التمثيل المصري في المحافل الدولية. هذا هو النص. أما الواقع فيحكي قصة مختلفة تماماً.

الواقع يقول إن أعضاء هذه اللجنة يحضرون المهرجانات ضيوفاً من الدرجة الأولى تذاكر سفر وإقامة فندقية ومصاريف يومية، كل ذلك على حساب المهرجان ذاته الذي يفترض أنهم يراقبونه ويحاسبونه. اللجنة تأكل مما تطهوه يد من تحاسبه، وتبيت تحت سقف من يفترض أن يقوموا بتقييمه، ويكرَمون ممن يجب عليهم محاسبته.

فكيف بعد هذا يملك عضو اللجنة الحرية الكاملة ليقول “هذا المهرجان فاشل”؟ أو “هذا المدير الفني لا يستحق موقعه”؟ أو “هذه الدورة لا تليق بالمعايير الدولية”؟ فالمنتفع لن يفرز رأياً نقدياً حراً.

والأدهى من ذلك أن الحضور الجماعي للجنة في كل مهرجان صغير وكبير بات أقرب إلى الرحلات السياحية المدعومة منه إلى مهمة رقابية جادة. المهرجانات تتكلف بأعضاء اللجنة لأنها ببساطة لا تستطيع رفض ذلك، لأن العلاقة بين المهرجان واللجنة هي علاقة “محتاج” بـ”صاحب قرار”.

والنتيجة المنطقية لهذه المعادلة المعوجة أننا لا نملك حتى الآن تقييماً موضوعياً حقيقياً لأي مهرجان مصري رسمي. لا نعرف أي المهرجانات يستحق الدعم المتزايد، وأيها يستحق المراجعة الجذرية، وأيها يجب أن يتوقف. كل ما نملكه آراء مبنية على الود المتبادل.

تقييم لا مجاملة

الحل ليس معقداً، لكنه يحتاج شجاعة سياسية وإرادة إصلاحية حقيقية.

أولاً: لا يسافر إلى أي مهرجان أكثر من عضو واحد من لجنة المهرجانات، لا الجميع. الحضور الجماعي لا ينتج رأياً جماعياً أفضل، بل ينتج رأياً بارداً لا يملك أن يقول إن هذا المهرجان فاشل أو إن تلك الإدارة معيبة.

ثانياً: نفقات سفر العضو الرقابي لا تتحملها ميزانية المهرجان، بل تتحملها وزارة الثقافة مباشرة. هذا الفصل البسيط هو الضمانة الوحيدة لاستقلالية الرأي. حين يدفع المهرجان تذكرة العضو وفندقه، فإنه يشتري صمته لا رأيه.

ثالثاً: تقرير تقييم كل مهرجان يجب أن يكون وثيقة رسمية معتمدة، موقعة من العضو الحاضر، ومتاحة للجهات المعنية بوضوح. لا تقارير شفهية، لا آراء في الكواليس، لا مجاملات مكتوبة بصياغة دبلوماسية.

قرار إلغاء دورة مهرجان الإسكندرية أياً كانت مبرراته أسقط الحجة التي ظلت اللجنة تتحصن بها سنوات. فإما أن يكون للجنة دور حقيقي تمارسه بشفافية واستقلالية، وإما أن نكون صرحاء ونقر بأن الأمر كله في يد وزير الثقافة وحده، وأن اللجنة ليست إلا ديكوراً مؤسسياً يضفي على القرارات الفردية صورة التشاور الجماعي.

الحل الحقيقي هو أن يتم سحب رخصة تنظيم مهرجان الإسكندرية من جمعية كتاب ونقاد السينما، وتسليمه لسينمائيي الإسكندرية الشباب، وتقديم نفس الدعم المالي لهم، حتى يحولوه من مهرجان “فسحة” إلى فعالية سينمائية متوسطية حقيقية، وأن يتم ذلك بقرار من وزيرة الثقافة حتى لا نجد نفس الأفكار المعلبة والضيوف “السائحين”.

المهرجانات المصرية تستحق رقابة حقيقية من جهة مستقلة فعلاً لا مستقلة بالاسم. والسينما المصرية تستحق تقييماً أساسه الموضوعية، لا الوقوف على الحياد المريح.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى