يوسف معاطي.. وحيد حامد لايت أم متنبي آخر

كيرلس داوود
هزة عنيفة ترج أرجاء المجتمع المصري في حقبة التسعينيات غيرت شكل الدولة والمجتمع بالكامل ، هذا التحول الذي أخذ ما يقرب من ثلاثين عاماً حتى وصل المجتمع إلى شكله الجديد وإن كان لا يزال في طور التحول حتى الآن ولم يأخذ الشكل الأخير بالكامل وصعوبة تشريح المجتمع هي أزمة مميزة لتلك الحقب التاريخية تواجه أي سيناريست على حد تعبير عمدة سيناريستات مصر ” أسامة أنور عكاشة ” .
كثيراً ما يختزل البعض عن غير قصد أو عن جهل تاريخ الفنان العظيم عادل إمام في مرحلة التسعينيات التي تعاون فيها بشكل واضح وكبير مع السيناريست العظيم وحيد حامد والمخرج الكبير شريف عرفة ، وكأنهم لم يحبوا يوماً “شمس الزناتي أو سلام يا صاحبي ، او البحث عن فضيحة او المتسول ” أو غيرها الكثير من الأفلام التي تعاون فيها مع سيناريستات أخر بخلاف العظيم وحيد حامد .
إن كانت هذه الجماهير نظرت لأهمية مرحلة أفلام وحيد حامد لما تحمل من قيمة فنية وتعبر عن قطاع عريض جداً من الشعب المصري مثل الإرهاب والكباب والمنسي والنوم في العسل وغيرها، فإن المرحلة التي تلتها في حياة الفنان عادل إمام – في رأيي – لا تقل أهمية عن سالفتها والتي برز فيها إسم جديد من السيناريستات المهمين جداً في رأيي في تاريخ التأليف في مصر وهو السيناريست الكبير يوسف معاطي.

شتان الفارق بين مجتمع وحيد حامد ومجتمع يوسف معاطي ف تجربة وحيد حامد بالكامل تتحدث عن شخص بسيط يجد نفسه بالصدفة أمام مجتمع أكبر منه و أقوى منه وأعنف منه وكان لها ما لها من صولات وجولات في تشريح المجتمع المصري وإبراز فقراؤه ومهمشيه بداخل قضية تشغل بال كل مصري إن كانت لقمة العيش او البحث عن العدالة أو البحث عن الإنسانية مثل فيلم ” آخر الرجال المحترمين ” للمبدع الراحل نور الشريف.

أما مجتمع يوسف معاطي فهو على العكس تماماً يصف حياة شخص قوي وغني ينتمي بأفكاره وأهواؤه ومزاجه العام إلى الشكل القديم من المجتمع المصري يجد نفسه فجأة في مواجهة أفكار الشباب والجيل الحديث بما يحمل من ملاوة وميل إلى التفكير الغربي . يحاول التأقلم مع تلك الأفكار الجديدة بوازع عدم اتهامه بالرجعية والتخلف لكنه في بعض الأحيان صرخ وتمرد على قوانين المجتمع الجديد الذي تماشى معها بعض المثقفين والكتاب والتي هي بالفعل اعتداء صارخ على قيم وأخلاقيات وهوية مصر بالكامل التي حفظت هذه البلد لسنوات عديدة.
ففي الوقت الذي عرض فيه أفلام تمجد الشكل الجديد من الحياة التي تتمتع بها تلك الفئة الغنية واجه عادل إمام ويوسف معاطي تلك الموجة بمنتهى القسوة والحدة والصرامة وصرخ في وجه أولاده في مرجان أحمد مرجان ” هو دا اللي بتعلميهولهم يا بتاعت الحضارة .. يشتموا أبوهم وسط الناس .. هي دي الحرية اللي انتوا عاوزينها ” وصرخ في التجربة الدنماركية قائلاً ” بقى انت بتيجي تاكل في بيتي وتروح تشتمني في الجرايد وبعديم هو انت تشتمني في الجرايد وتقولي بكلمك كوزير وتيجي تقولي مد لي ايدك و بكلمك كأب”.

كتب يوسف معاطي عن مجتمع يتمزق بجيل جديد نصفه ينظر إلى الغرب بتوجهاته وأفكاره المنفلتة ونصفه الآخر ينظر إلى الشرق بأفكار رجعية عنيفة وحاول الصراخ بأقصي ما يمكن قائلاً مصر الباقية والتي لن تموت وأفكاركم المستوردة المعلبة والتي لا يخفى على أحد أنها أفكار موجهة بالتمويل لتغيير حاضرة مصر الثقافية ، فعبر على لسان أحد شخصياته قائلاً ” يعني انتوا كمان مأنتمين ” ، ودي مش جامعة ولا دا تعليم دا كباريه ” في إشارة إلى أن أصحاب هذا التيار والتيار الآخر يحملوا أفكار معيبة ولا تنتمي إلى واقع مصر وحضارتها العظيمة التي شكك فيها كل من هب ودب وحاول صنع عازل بينها وبين أولادها بدافع التقدم والحرية.
في رأيي لم يلتفت المعظم لقيمة أفلام عادل إمام في مرحلة يوسف معاطي لسبب بسيط وهو جرعة الكوميديا الطاغية التي تجعل المشاهد يظن في داخله أن الفيلم لمجرد الضحك ولكن كلا ، فقد قام يوسف معاطي بقدرة تقنية عالية جداً في كتاباته على تشريح المجتمع الجديد ومواجته بمنتهى القوة وكانت تلك هي متطلبات عصره الذي يختلف كلياً عن عصر وحيد حامد الذي تحدث عن مجتمع لم يكن موجوداً وقتها وأصبح دفين التراب.

يوسف معاطي لم يكون نسخة مخففة من وحيد حامد ولم يكن متنبي آخر توقع شئ يذكر في أفلامه كما فعل وحيد حامد العظيم ، وللأسف صرخة يوسف معاطي كانت أضعف من أن تقف في وجه الموجه الهائلة التي طغت على أفكار الجيل الجديد وقتها ولم يلتفت أحد إليها حتى حينما أراد أن يعبر عن تحالف والتحام الجيل القديم بالجيل الجديد اضطر للجوء إلى قضية وخطر وجودي أكبر من اختلاف الأيديولوجيا أو الأفكار أو المرجعية ف كانت صرخته في السفارة في العمارة حينما طرد ” شريف خيري ” العدو من شقته وحينما التحم حسن ومرقص واولادهم في مشهد عبورهم من أزمة الفتنة الطائفية وكأنه تمسك بالأمل الاخير ووثق في الجين المصري الذي يظهر وقت الأزمات ، الذي يجعل المصريين في حالة التحام وانضمام إلى قلب واحد وتعلو وقتها كلمة مصر عالية .




